استراتيجية البقاء التي تم تجاهلها والتي تجعلنا بشرًا.قبل أن يصبح الإنسان صيادًا ماهرًا، كان أسلافنا يعيشون حياةً مزدهرةً بالاستفادة القصوى مما تخلفه الطبيعة. تشير أبحاث جديدة إلى أن التغذي على جيف الحيوانات لم يكن ملاذًا أخيرًا يائسًا، بل استراتيجية بقاء ذكية وموثوقة ساهمت في تشكيل التطور البشري. فقد وفرت الجيف غذاءً غنيًا بالسعرات الحرارية بجهد أقل بكثير من الصيد، لا سيما في أوقات الشدة، وكان الإنسان مهيأً بشكل فريد للاستفادة منها، بدءًا من المستوى الحامضي القوي للمعدة والمشي لمسافات طويلة، وصولًا إلى إشعال النار واستخدام الأدوات والعمل الجماعي. ساهم باحثون من معهد IPHES-CERCA في دراسة جديدة بقيادة المركز الوطني لأبحاث التطور البشري (CENIEH)، تُشكك في الأفكار السائدة منذ زمن طويل حول كيفية بقاء الإنسان القديم. نُشرت الدراسة في مجلة التطور البشري، وتُلقي نظرة شاملة على استهلاك الجيف منذ أقدم أشباه البشر وحتى الإنسان الحديث. ويجادل الباحثون بأن البحث عن الجيف لم يكن خيارًا ثانويًا عابرًا، بل استراتيجية أساسية للبقاء تكررت عبر تاريخ التطور البشري. بحسب الباحثين، قدّم التغذّي على الجيف فوائد واضحة للإنسان القديم. فالعثور على جيف الحيوانات واستغلالها كان يتطلب طاقة أقل بكثير من صيد الفرائس الحية، وكان يوفر تغذية حيوية في أوقات ندرة الموارد الغذائية, وخلال فترات المجاعة، وربما كانت الجيف من أكثر مصادر الغذاء موثوقية. وتؤكد الدراسات البيئية الحديثة هذا الرأي، إذ تُظهر أن الجيف أكثر وفرة وأكثر قابلية للتنبؤ مما كان يُعتقد سابقًا. كما طوّرت العديد من أنواع الحيوانات التي تتغذى على الجيف سلوكيات تُساعدها على الحدّ من تعرّضها للأمراض، مما يُقلّل من المخاطر المرتبطة بهذا المصدر الغذائي. يؤكد الباحثون أن البشر مهيؤون بيولوجيًا وسلوكيًا للبحث عن الطعام. ويوضحون قائلين: “قد يعمل مستوى الحامضية للمعدة البشرية كآلية دفاعية ضد مسببات الأمراض والسموم، وقد انخفض خطر العدوى بشكل ملحوظ عندما بدأنا استخدام النار للطهي. علاوة على ذلك، كانت قدرتنا على السفر لمسافات طويلة باستهلاك طاقة منخفض عاملاً أساسيًا في إيجاد مصادر الغذاء”. هذه الخصائص، إلى جانب التكنولوجيا المبكرة، منحت البشر ميزة فريدة. فقد مكّنت اللغة والأدوات الحجرية – حتى أبسطها – من تنسيق الجهود الجماعية، وتحديد مواقع الجيف، واستخراج موارد قيّمة مثل اللحوم والدهون ونخاع العظام. وقد شكّل البحث عن الطعام، جنبًا إلى جنب مع الصيد وجمع النباتات، جزءًا من استراتيجية غذائية مرنة وفعّالة.ظلّت مسألة كيفية حصول الإنسان القديم على اللحوم موضع نقاش لعقود. ففي ستينيات القرن الماضي، أثارت الاكتشافات في أفريقيا التي أظهرت استهلاك أشباه البشر القدماء للحوم سؤالًا جوهريًا: هل كانوا صيادين ماهرين، أم كانوا في الأساس كائنات تتغذى على الجيف؟ لسنوات طويلة، اعتُبرت عملية التغذي على الجيف مرحلة مؤقتة وفي مستوى ادنى تخلى عنها الإنسان بمجرد تحسن مهارات الصيد. لكن هذا التفسير قد دُحض الآن.إذ تُظهر الأبحاث الحديثة أن جميع أنواع الحيوانات اللاحمة تستهلك الجيف بدرجات متفاوتة. إضافةً إلى ذلك، لا تزال العديد من مجتمعات الصيد وجمع الثمار المعاصرة تُدرج التغذي على الجيف ضمن ممارساتها المعيشية، مما يدل على أنها لا تزال استراتيجية عملية وفعّالة.يخلص المؤلفون إلى أن البحث عن الجيف لم يكن مجرد خطوة تمهيدية في طريق الصيد، بل كان جزءًا أساسيًا ومستمرًا من بقاء الإنسان، مكملاً لأساليب جمع الطعام الأخرى. فبدلاً من أن يكون سلوكًا هامشيًا، لعب أكل الجيف دورًا محوريًا في تشكيل التطور البشري، وساهم في نهاية المطاف في جعلنا بشرًا.https://www.sciencedaily.com/releases/2026/01/260118233601.htm # العلم للجميع # مجاة ايليت فوتو ارت


