فيلم “من فضلك، اسمح لي بالمرور“ يصنف ضمن افضل الافلام المشاركة في البندقية ٨٣.

عن واحد من أجمل أفلام البندقية 83.
“من فضلك، اسمح لي بالمرور“: غابة لاف دياز تشهد على أهوال الاستعمال، بلغ الغابة الاستوائية أقصى مراحل قوته حينها حين تنهمر عليها الأمطار بغزارة. عندها تبدو النباتات شبه سوريالية، ويخفت الضوء، ويتحوّل كلّ شيء إلى سطح لامع يقطر بالماء، فيما يخلق وقع المطر المتساقط على أوراق الأشجار إحساساً بالعزلة عن العالم الخارجي.
قلّة من السينمائيين أحسنوا التقاط هذا: ثنائية غريبة تجمع بين الإحساس بالانغلاق والخطر من جهة، وبين الجمال الوحشي، البدائي، من جهة ثانية. هذا تحديداً ما يفعله المخرج الفيليبيني الكبير لاف دياز في فيلمه الجديد “من فضلك، اسمح لي بالمرور”، المعروض خارج المسابقة في الدورة الحالية من مهرجان البندقية السينمائي (2 – 12 أيلول). فيلم كان جديراً، في رأيي، بأن يُدرَج في المسابقة، لولا أن للمهرجانات حساباتها الأخرى، ومن بينها هاجس من النوع الذي لا يُقال بصراحة: ماذا لو مُنحت “أسد ذهب” ثانية، في غضون أقل من عشر سنوات، لمخرج واحد، والمقصود دياز في هذه الحالة.
لكن حين أقول إن هذا ما يفعله دياز، لا أعني أنه يكتفي باستثمار الغابة على أساس بصري فاتن أو مسرح للخطر. فحنكته السينمائية تكمن، إلى حد بعيد، في قدرته على التخفّي خلف موضوعه، أو الأدق أن نقول: في جعل الموضوع نفسه يختفي خلفه. يتناول دياز هنا قضيّة مركزية لطالما شغلته وأعاد النظر فيها، هي الاستعمار الإسباني لبلاده الفيليبين، مسألة لا يحاضر فيها ولكنه يتركها تتسرّب إلى المكان، إلى الأجساد، وإلى العنف الذي يبدو كأنه جزء من طبيعة العالم نفسه.
تصبح الغابة، التي تدور في رحابها أحداث الفيلم، أكثر من مجرد موقع للتصوير. إنها المسرح الحالم الذي يستوعب كلّ شيء: قاسٍ ووحشي بقدر وحشية البشر وقسوتهم، ورحيم بقدر رحمتهم. مكان لا يبدو فيه التاريخ شيئاً مضى وانقضى، بل قوة لا تزال كامنة في الطبيعة، وفي الذاكرة، وفي أجساد الذين يعيشون فوق أرض لم تتخلّص تماماً من آثار ماضيها.
يحملنا الفيلم إلى القرن السابع عشر، حين كانت الفيليبين ترزح تحت الاستعمار الإسباني. يطلب الراهب الإسباني بادري إنثيسو، المسؤول عن نظام الإنكوميندا في إحدى الجزر، من أحد الفيليبينيين من أصول إسبانية أن يقود مجموعة من الرجال في موكب لنقل بلاطات من الرخام من مكان إلى آخر. والهدف، في ظاهره، نبيل: بناء كنيسة. لن نكشف سراً إذا قلنا إن معظم هؤلاء الرجال لن يصلوا إلى وجهتهم. سيموت بعضهم منهكين، فيما يسقط آخرون على أيدي المقاومين المتوارين في الغابات.

#هوفيك حبشيان#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم