من أكثر أفلام كانّ 79 رقةّ.
يصوّر “الفتاة المجهولة” للصينية دزو جينغ، المشارك في مهرجان كانّ السينمائي، قسم “أسبوع النقّاد” (12 – 23 أيار)، الطفولة واليفاعة على قدم مساواة مع خبرة الكبار في السنّ، في مقاربة تستحضر مقولة سارتر الشهيرة: “الجحيم هي الآخرون”، حيث يغدو التماس مع الآخر، منذ البدايات الأولى، لحظة تأسيس للمأزق الوجودي.
ليست هذه النظرة إلى الطفولة استثناءً، إذ تتردّد أصداؤها في عدد من أفلام هذه الدورة من المهرجان، تلك التي تسعى إلى ردّ الاعتبار الى مرحلة عمرية تتشكّل فيها ملامح الإنسان، حدّ أنها ترسم مسارات حياته اللاحقة على نحو يجعل الإفلات من آثارها أمراً عسيراً، إن لم يكن مستحيلاً.
من خلال سلسلة مشاهد ذات نزعة “بريسونية” (إحالات واضحة على أسلوب روبير بريسون)، نجد أنفسنا نُلقى في قلب بيئة صينية تنقلنا إليها المخرجة الصينية دزو جينغ في أولى تجاربها الروائية الطويلة، وتنم عن صوت سينمائي واثق، يتركنا في حال ترقّب حقيقي لما ستقدّمه لاحقاً.
يتتبّع الفيلم، المستلهم من سيرة جدّة المخرجة، وعلى امتداد أكثر من ساعتين، مسار جينجان (لي غانغشي)، من الطفولة حتى المراهقة، في سيرة تنأى عن النمطية وتلامس حدود القسوة الوجودية. جينجان تجد نفسها موزّعة على ثلاث عائلات متعاقبة، ستُجرَّب مصائر مختلفة من دون أن تستقر في أيٍّ منها. أي من هذه البيئات، على اختلافها، لن تنجح في أن تهبها ما تحتاجه حقّاً، على الرغم من مظاهر الحنان والعطف التي أُحيطت بها. يبقى النقص، أكثر حضوراً من كلّ أشكال الرعاية.
من قلب هذه الرحلة الشاقة، المفعمة بالألم والانكسار، تتشكّل جينجان من جديد: تتعلّم أن تكون نفسها، عبر تكرارٍ مُلحّ لسؤال وجودي يكاد يتحوّل إلى لازمة: “مَن أنا؟”. منذ نعومة أظفارها، تتعلّم جينجان ألا تساوم، ولكن أن تواجه العالم بنديّة. هكذا تنمو أمام أعيننا، عبر قفزات زمنية ولكن أيضاً من خلال كتابة بصرية دقيقة تجسِّد التحوّل من طور إلى آخر.
تكمن إحدى أبرز نقاط قوة الفيلم في هذه الشخصية المحورية الصلبة والاستثنائية، التي لا تكتفي بقيادة السرد، ولكنها تضخّ فيه فرادته وتمنحه نبرته الخاصة. وإلى جانب ذلك، يتنفّس العمل روح السينما من كلّ مفاصله: صورة غنية بالتفاصيل، وحسّ إخراجي قادر على التقاط مادة حكائية عادية وصقلها حتى تغدو ذات قيمة جمالية وإنسانية.
يتعزّز هذا الأثر بإطار بصري مُحكم، تُبنى داخله الأحداث بعناية لافتة، بحيث تستغني الشخصيات عن فائض الحركة أو الفعل المباشر. ولا مبالغة في القول إن المخرجة تقدّم، في هذا السياق، درساً في الايجاز البصري، في زمن ترفع فيه أفلام كثيرة شعار “يحيا المزيد لا القليل”
#هوفيك حبشيان#مجلة ايليت فوتو ارت…


