فيلم السهرة مارتن ايدن – Martin Eden” مع رابط للمشاهدة.

أفلام مختارة فيلم “مارتن ايدن – Martin Eden”صدر هذا الفيلم في عام 2019 وهو مأخوذ عن رواية صدرت في عام 1909 للكاتب المعروف جاك لندن حملت العنوان نفسه وتدور أحداثها في كاليفورنيا وقد قام المخرج الإيطالي “بييترو مارسيللو – Pietro Marcello” بنقل بيئتها في فيلمه إلى مدينة نابولي.تدور أحداث القصة في الرواية في بداية القرن العشرين ولكن الفيلم يعوّم زمنها ولا يحدده بدقة إذ قد يكون في منتصف القرن العشرين أو في فترة السبعينات. ويُجمع كثيرون على أن هذه الرواية تكاد تكون سيرة ذاتية لحياة الكاتب لندن نفسه إذ نشأ بحارا فقيرا قبل أن يتحول إلى كاتب شهير كما هو الحال بالنسبة لبطل الرواية مارتن ايدن. في الرواية يقرر البحار أن يعلم نفسه وأن يثقفها كي يتخلص من طبقته الفقيرة ولكي يفوز بقلب امرأة أحبها تنتمي إلى الطبقة البرجوازية. وقد أدى دور البحار الممثل الإيطالي “لوكا مارينيللي – Luca Marinelli” الذي بدأ حياته ممثلا مسرحيا وهو متمكن ويتحكم بسهولة في تعبيرات وجهه ونظرات عينيه بطريقة تجعله ينقل أفكارا عميقة دون أن ينطق الكثير من الكلمات. وقد حصل عن أدائه هذا الدور على جائزة أفضل ممثل في مهرجان فينيسيا في عام 2019.-القصةتبدو القصة لأول وهلة عادية تقريبا فهناك شاب بحار فقير يُغرم بفتاة من طبقة أعلى من طبقته ويسعى جاهدا لنيل رضاها ورضا أهلها ولكنه سرعان ما يكتشف أن الفرق بين الطرفين ليس طبقيا فحسب بل هو فكري أيضا لأنه ومن خلال متابعته تعليم نفسه يكتشف أن هناك أفكارا أخرى لم يكن يعرف بوجودها وأن العالم الذي يعيش فيه بل ويعيش فيه كل البشر عبارة عن كذبة ظالمة مزوقة تبرر اللاعدالة والتمييز ولذا يبدأ بالتحول من شاب ملئ بالحيوية إلى رجل شبه محطم وساخر يشعر بالاغتراب حتى داخل نفسه. يتضمن هذا الفيلم عددا من اللقطات الأرشيفية التي أخذها المخرج من أفلام وثائقية يعود تاريخها إلى فترات زمنية سابقة كأن نرى طفلا فقيرا يجلس على الرصيف أو سفينة بعيدة تمخر عباب البحر وقد قام بتلوين بعض هذه اللقطات كي لا تظهر غريبة مقارنة باللقطات الأخرى الحديثة. هذا الدمج يعطي انطباعا في النهاية بأن المُشاهد لا يتابع فقط فيلما حديثا بل يتابع تاريخا كاملا تقريبا وهو ما يحول الشخصية الرئيسية في الفيلم مارتن إيدن إلى أكثر من شخص ليصبح رمزا لكل الفقراء الذين حاولوا التخلص من أوضاعهم وتحسينها. اللقطات القديمة التي استخدمها المخرج لا تعود لفترة زمنية محددة بل لعهود مختلفة وكأنه يريد أن يقول إن هذه القصة ما تزال تكرر نفسها على الدوام وفي كل الأزمان.قصة مارتن ايدن بشكل عام هي قصة مثقف يحاول إيجاد موقع له في عالم مادي ونلاحظ أنه في النهاية عندما ينجح في الوصول إلى القمة يجد نفسه وحيدا تماما منفصلا عن طبقته القديمة “الفقراء” ولكنه مرفوض من الطبقة الجديدة “البرجوازية”. ويطرح الفيلم سؤالا مهما: هل المعرفة لعنة؟ ذلك أن مارتن كان سعيدا عندما كان فقيرا ولكنه ما أن أصبح متعلما ومثقفا حتى توقف عن القدرة على التواصل مع أهله وأصدقائه القدامى بسبب فرق اللغة والتفكير وهو في الوقت نفسه غير قادر على التفاهم مع الطبقة الأعلى. كتب لندن هذه الرواية لنقد الفردية المتطرفة وليحذر من عدم تمكن الإنسان من العيش خارج المجتمع. أما الفيلم فركز أكثر على فكرة الارتقاء والصعود وعلى أن المثقف يبقى دائما غريبا داخل مجتمعه في كل الأزمان. نهاية مارتن في الرواية تختلف عن نهايته في الفيلم ولكن الاثنتين تركزان على مأساة المثقف الذي يشعر بالغربة. في الرواية يلقي مارتن بنفسه من سفينة في عرض المحيط وهي نهاية أراد الكاتب منها أن يؤكد أن الإنسان الذي ينفصل عن جذوره الطبقية ولا ينجح في الانتماء إلى فئة جديدة ينتهي إلى العيش في فراغ. ومعنى الغرق هنا هو العودة إلى الطبيعة التي جاء منها كبحار إضافة إلى أن فكرة الغرق تُشعرنا بأن المعرفة التي سعى مارتن إلى الحصول عليها تحولت بالنتيجة إلى ثقل سحبه في النهاية إلى قعر المحيط. أما في الفيلم فنرى مارتن الذي حقق كل أحلامه في الثروة والشهرة والاعتراف بعبقريته، نراه يسير متوجها إلى البحر في مشهد ضبابي. لم يركز المخرج هنا على الموت قدر تركيزه على تلاشي الشخصية كما أراد أن يُظهر بأن مارتن لم يكن مخطئا على الإطلاق بل إن الزمن هو الذي أخطأ تجاهه مما حوله إلى شخص يائس فقد أمله في كل شئ وملأه شعور بالقرف من كل شيء. لم يمت مارتن كشخص وكجسد كما في الرواية ولكنه تحول إلى مجرد شبح لا يغير شيئا في التاريخ . لم تحظ رواية مارتن ايدن باهتمام من جانب السينما قدر ما حصلت عليه روايته الشهيرة “نداء الغاب” أو “نداء البرية” التي صدرت في عام 1903، ولكنها تحولت مع ذلك إلى أفلام عدة مرات منها في عام 1914 أي بعد نشرها بفترة قصيرة وكان فيلما صامتا ثم تحولت إلى فيلم أيضا في عام 1942 تحت عنوان “مغامرات مارتن ايدن” وقد ركز على جانب المغامرة في حياة مارتن. أما أشهر فيلم مأخوذ عن الرواية فهو نسخة 2019، موضوع الحديث هنا وقد حقق نجاحا كبيرا علما أنه تمت معالجة الرواية مسرحيا أيضا ولعدة مرات منذ صدورها. -المخرج يُطلق على بييترو مارسيللو (وُلد في 1976) أسماء عديدة منها شاعر الزمن وساحر الأرشيف ذلك أنه بدأ حياته بالعمل على أفلام وثائقية ولذا نلاحظ في أفلامه نفسا واقعيا مع اهتمام بإعادة استخدام لقطات قديمة في أفلام حديثة وهو واحد من المخرجين القليلين الذي لا يستخدمون التصوير الرقمي بل يستخدم فيلم 16 ملم و35 ملم. يهتم مارسيللو بشخصيات معينة في المجتمع مثل “المثقف المغترب والمنبوذ” أو “الإنسان اللامنتمي والسابق لعصره وزمانه” وقد أثبت قدرة في طرح مثل هذه الشخصيات التي تبحث عن مثل عليا في زمن يقوم على المصلحة. من أعماله الأخرى “فم الذئب” إنتاج 2009 و “ضائعة وجميلة” إنتاج 2015 ويطرح فيه قصة الأرض بنفس فلسفي. له أيضا فيلم “سكارلت” إنتاج 2022 يتطرق فيه إلى قضية الفن وما يحيط به من صعوبات.

رابط للمشاهدة

سينماالعالم # مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم