فيلم أخوة ليلى Leila’s Brothersتبدأ حكاية الفيلم من قلب بيتٍ إيرانيٍّ متعب، بيتٍ صغيرٍ مزدحمٍ بالأجساد والهموم، تلتصق فيه الأنفاس بالجدران، وتكبر فيه المشكلات أسرع من قدرة العائلة على الاحتمال. أربعة إخوة رجال بلا عمل، أبٌ عجوز غارقٌ في أحلامه وسلطته الشكلية، وأمٌّ متعبة لا تملك غير التبرّم، وفي الوسط تقف امرأة واحدة هي ليلى… الأخت التي تحمل عبء الجميع وكأنها العمود الأخير الذي يمنع السقف من الانهيار.ليلى تعمل بصمتٍ وقوة، تراقب انهيار العائلة تحت ضغط البطالة والفقر، وتفهم أن الاستمرار بهذا الشكل يعني موتاً بطيئاً بلا ضجيج. تقترح مشروعاً بسيطاً يغيّر المصير: شراء محلٍّ تجاري صغير في مجمع، ليصبح مصدر دخلٍ ثابت للعائلة، يوقف نزيف الكرامة قبل نزيف الجوع. لكن الطريق إلى ذلك المشروع يمرّ عبر عقدةٍ خفية في البيت: ذهب الأب الذي يدّخره سرّاً لا لإنقاذ العائلة، بل لتحقيق “حلمٍ” طفوليٍّ متأخر: أن يُنصّب شيخاً لعشيرته، وأن يلبس المجد في صورة لقب.وحين يصل الصراع إلى الذهب، يصل إلى القلب. تتفجّر التناقضات: الإخوة يريدون الخلاص العملي، والأب يريد زعامته المتخيّلة، وليلى ترى الجميع يغرقون في مستنقعٍ واحد. ما يبدو مشروعاً اقتصادياً صغيراً يتحول إلى اختبار أخلاقي للعائلة كلها: من يملك الحق في المال؟ ومن يملك الحق في القرار؟ ومن يدفع ثمن الأخطاء القديمة؟ ومع كل خطوة تخطوها ليلى نحو إنقاذهم، يشدّها الرجال الأربعة من الخلف بثقل العجز والتردد، بينما يسحبها الأب نحو الأسفل بسخريته وخداعه وأنانيته. في لحظة ما يصبح البيت نفسه ساحة حرب، لا تُطلق فيها الرصاصات، بل تُطلق فيها الإهانات والاتهامات والفضائح، لتكشف الأزمة أن الفقر ليس نقص مالٍ فقط… بل نقص ثقة، ونقص رحمة، ونقص عقل.هذه هي قصة (أخوة ليلى – Leila’s Brothers): عائلة تحاول النجاة من السقوط الاقتصادي والاجتماعي، لكن “النجاة” ليست طريقاً مستقيماً، بل صراعٌ داخل الدم الواحد.بعد هذه المقدمة السردية، يأخذنا المخرج الإيراني سعيد روستايي Saeed Roustaee إلى أفقٍ أوسع من حدود البيت، ليجعل هذه العائلة نموذجاً مكثفاً لواقعٍ اجتماعي كامل. الفيلم، المنتج عام 2022، لا يتعامل مع الأزمة بوصفها خلفية، بل يضعها في الواجهة، ويجعل الاقتصاد والبطالة والعقوبات والغلاء جزءاً من سلوك الناس اليومي لا من نشرات الأخبار. لذلك تبدأ نبضات الفيلم الكبرى من مشهدٍ شديد الدلالة: إغلاق مصنع وتسريح عمال، في لقطةٍ تشبه إعلاناً مبكراً بأن البلاد تدخل زمناً من الانكسار، وأن العائلات التي تبدو فقيرة على الشاشة ليست استثناء، بل صورة متكررة في مدن كثيرة.يملك روستايي قدرة بارعة على تحويل “الواقع” إلى دراما مشتعلة من دون افتعال. الكاميرا تدخل الأزقة والبيوت وأماكن العمل وكأنها تبحث عن الحقيقة، لا عن الجمال. لا نرى إيران سياحية، بل نراها متعبة، مكتظة، مشدودة الأعصاب. ومن هنا تتضح قيمة الفيلم: إنه شديد الواقعية إلى الحد الذي يزعج السلطة، لأن السلطة عادةً لا تخاف من الخيال… بل تخاف من الواقع حين يصبح مرئياً.نجاح الفيلم عالمياً لم يأتِ صدفة. فقد شارك في مهرجان كان ضمن الاختيار الرسمي، ونال جائزة الاتحاد الدولي للنقاد (FIPRESCI Prize)، وهي جائزة تحمل معنى خاصاً لأنها لا تُمنح بالإجماع السهل، بل تمنحها عين نقدية ترى في الفيلم صوتاً اجتماعياً حقيقياً. نجاح كهذا كان كافياً ليضع الفيلم في قلب المعركة الداخلية أيضاً، إذ تحولت شهرة الفيلم إلى سبب للملاحقة والاعتراض، حتى وصل الأمر إلى أحكام وإجراءات ضد المخرج والمنتج بسبب عرضه دولياً دون موافقات رسمية، وهو ما يعكس بوضوح أن الفيلم لم يُغضب بسبب ضعفٍ فني، بل بسبب قوته وتأثيره.القطب الأكثر لمعاناً في الفيلم هو شخصية ليلى، التي تجسدها الممثلة الكبيرة ترانة علي دوستي Taraneh Alidoosti بأداءٍ عميق لا يعتمد على الصراخ، بل على التوتر الداخلي. ليلى ليست بطلة “منقذة” بالمعنى التقليدي، بل امرأة تتقدم خطوة خطوة وهي تعرف أنها تمشي فوق زجاج. في كل مشهد تحمل وعياً جارحاً: أن أخوتها كبار في العمر لكنهم صغار أمام مسؤولية الواقع، وأن الأب الذي يُفترض أن يكون سنداً صار عبئاً، وأن الأم التي يُفترض أن تكون قلباً حنوناً تحولت إلى صمتٍ بارد. وبذلك تصبح ليلى وحدها بمواجهة الحياة، وكأن الفيلم يقول إن البطالة لا تسرق المال فقط، بل تسرق الرجولة من الرجال، وتلقي بها حملاً إضافياً على المرأة.أما الأب الذي يؤدي دوره الممثل المخضرم سعيد پورصميمي Saeed Poursamimi فهو شخصية قاسية في رمزيتها: أبٌ ضعيف أمام المجتمع، لكنه متسلط داخل البيت. يتوسل لقباً عشائرياً يظن أنه سيعيد له هيبته، بينما لا يدرك أن الهيبة الحقيقية في زمن الفقر هي القدرة على حماية العائلة. إنه يمثل جيلاً يرى المجد في “الواجهة”، ويهمل “الجوهر”. وهذه الشخصية ليست مجرد فرد، بل صورة اجتماعية معروفة: رجلٌ يطلب الاحترام لكنه لا يمنحه، يريد أن يكون زعيماً لكنه يعجز أن يكون أباً.ومع أن الفيلم شديد العتمة، إلا أن روستايي لا يحرم المشاهد من لحظات تخفيف ذكية، يمرّر فيها شيئاً من السخرية وسط المرارة، وكأنه يقول إن المجتمع الذي يتألم كثيراً يتعلم أن يضحك كي لا ينهار. كما أن الفيلم يرسم تناقضاً طبقياً صارخاً في أحد أكثر مشاهده دلالة: مشاهد العرس الفخم الباذخ، حيث الذهب والموسيقى والترف، مقابل عائلة تتقاتل على فرصة عمل. هذا التباين لا يأتي للتجميل، بل للتعرية: فهناك طبقة تعيش الاحتفال وكأنه حق طبيعي، وطبقة تعيش الجوع وكأنه قدر أبدي.طول الفيلم، الذي يبلغ نحو 165 دقيقة، ليس ضعفاً سردياً، بل ضرورة نفسية. لأنه يريد أن يجعل المشاهد يختبر “الضغط” كما تختبره الشخصيات: ضغط الوقت، ضغط المال، ضغط الإهانة، ضغط الفشل المتكرر. الأزمة في الفيلم لا تُحل بخطابٍ أو مصالحةٍ سريعة، بل تتعقد وتتفرع كما يحدث في الحياة تماماً، ولذلك يشعر المشاهد أن الفيلم ليس حكاية تُروى… بل حياة تُعاش.في النهاية، لا يقدم (أخوة ليلى – Leila’s Brothers) موعظة سياسية مباشرة، ولا يرفع شعارات، لكنه يفعل ما هو أخطر: يقدّم الحقيقة كما هي. لهذا هو فيلمٌ يَصعُب نسيانه. لأننا لا نخرج منه ونحن نتذكر قصة عائلة فحسب، بل نتذكر كيف يتحول البيت إلى وطن صغير، وكيف يتحول الفقر إلى سلطة خامسة تحكم الجميع، وكيف يمكن لامرأة واحدة أن تقف وسط الانهيار محاولةً إنقاذ من لا يريد أن ينقذ نفسه.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاضغط على الرابط التالي لمشاهدة الفيلمhttps://ok.ru/video/6819262892742
المصادر:
سينما العالم.
– موقع (اليوم السابع)
– موقع موزاييك
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– جريدة الدستور
– موقع العربي الجديد
– موقع : – الجزيرة .نت
– سكاي نيوز عربية – أبوظبي
– موقع سبق- اليوم السابع
– الإمارات اليوم
– العربية .نت – الرياض
-صحيفة الثورة السورية
– موقع المصرى اليوم – موقع عكاظ
– مواقع تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– مجلة فن التصوير
– إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
******-


