في قلب الشمس، في منطقة لا يمكن تخيّل قسوتها، تصل الحرارة إلى نحو خمسة عشر مليون درجة مئوية، ويصبح الضغط هائلًا لدرجة تُجبر المادة على الوجود في هيئة بلازما كثيفة. هناك، تتقارب نوى الهيدروجين رغم تنافرها، وتندمج في تفاعلات نووية دقيقة لتشكّل الهيليوم، مطلِقةً طاقةً هائلة هي أصل كل ضوء ودفء نعرفه. لكن هذه الطاقة لا تصل إلينا بسهولة. الفوتونات التي تولد في اللب تبدأ رحلة شاقة، تصطدم بلا نهاية بجسيمات البلازما، تنحرف وتتباطأ في مسار عشوائي قد يستغرق عشرات أو حتى مئات آلاف السنين قبل أن تبلغ سطح الشمس وتتحرر أخيرًا كضوء نراه اليوم.ومع ذلك، لا تسلك كل رسائل الشمس هذا الطريق الطويل. في اللحظة نفسها التي تحدث فيها تفاعلات الاندماج، تولد جسيمات أخرى غامضة تُدعى النيوترينوات. هذه الجسيمات شبه عديمة الكتلة، ضعيفة التفاعل إلى حد مذهل، تمر عبر المادة كما لو كانت غير موجودة. لا تعيقها بلازما الشمس ولا طبقاتها الكثيفة، بل تنفذ مباشرةً من قلبها، وتعبر الفضاء، وتصل إلى الأرض بعد نحو ثماني دقائق فقط من ولادتها. إنها رسائل فورية من لب الشمس، تخترق الكوكب كله، بل وتخترق أجسامنا الآن دون أن نشعر.لاقتناص هذه الزوار الشبحية، شيد البشر مراصد هائلة في أعماق الأرض، بعيدة عن ضجيج الأشعة الكونية. خزانات ضخمة من الماء فائق النقاء أو الجليد الصافي، تنتظر بصبر لحظة نادرة يصطدم فيها نيوترينو بذرة، مولّدًا وميضًا خافتًا من ضوء تشيرينكوف الأزرق. من أشهر هذه الصروح العلمية كاشف «سوبر كاميوكاندي» في اليابان، كتلة مائية تبلغ خمسين ألف طن، يبدو ككاتدرائية غارقة في الضوء، مكرّسة لرصد أضعف الإشارات في الكون.اليوم، تتوافق أعداد النيوترينوات المرصودة مع التنبؤات النظرية بدقة مذهلة، لكن الطريق إلى هذا الفهم لم يكن سهلًا. لسنوات طويلة، واجه الفيزيائيون لغزًا محيرًا: الكواشف لا ترى سوى ثلث النيوترينوات المتوقعة من الشمس. عُرفت هذه المفارقة باسم «مشكلة النيوترينو الشمسي»، وبقيت بلا حل حتى اتضح أن النيوترينوات ليست كما ظُنّ سابقًا. فهي قادرة على التذبذب، على تغيير هويتها أثناء رحلتها عبر الفضاء، متحولة بين أنواعها الثلاثة: إلكترون وميون وتاو. هذا السلوك الكمومي العجيب لا يحدث إلا لأنها تمتلك كتلة صغيرة للغاية، وهو ما كان كافيًا لهزّ أسس النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات.بهذا المعنى، لم تعد النيوترينوات الشمسية مجرد فضول فلكي. إنها نافذة مباشرة على محرك النجوم، وخط اتصال حي مع قلب الشمس على بعد مئة وخمسين مليون كيلومتر، وجسر يربط بين فيزياء الكون الواسع وأدق القوانين التي تحكم الجسيمات الأولية. كل نيوترينو شمسي نرصده هو سطر جديد من سجل الشمس الداخلي، ورسالة تذكّرنا بأن فهمنا للواقع لا يزال في طور التشكّل.# الفيزياء والفلك # مجلة ايليت فوتو ارت.


