في مخزون الروح من الغناء علاقته بالذاكرة والامكنة .

في قلبي غناء
تراثياً، يبدو مخزوننا من الغناء عالياً، يفيض على وجه الأمكنة، يرشح من طبقات الأرض، متفجّر الينابيع في سنيّ القحط، لكنه يظل مع ذلك غناء رعويّاً تلوح في صباحاته شموس الصحارى، وضوءُ قمرٍ بعيد، ونجمُ سهيلٍ لا يدلّ إلا صوب الغياب. غناؤنا ريفيّ أيضاً، منثورٌ بين القرى كحبّات قمح وندوف القطن وكمشات زيتون مغبر. لكن بعيداً عن هذا تغيب المدينة عن أغانينا، وإن فعلت، فهي تنزاح إلى مفرداتٍ دمغتها الرحبانية بروحيّتها إلى أبد الآبدين. لم تنتج مدننا أغانيَ، فالشام أكبرها لم تستطع، كما ينبغي لها أن تفعل، أن تحضر غنائياً في وجدان البلد الجمعي. لم تكن معقّدة العلاقات لتنتج توهاناتها. ربما أنتجت في السنوات الماضية عنفاً صريحاً، وفقراً، وغربةً غير أصيلة، أو كافية لتعض وتؤلم، لكنها لم تخمّر رؤيةً صالحةً كي تُطلق للغناء. على العكس من بيروت والقاهرة، لم تُلهم شبكةُ علاقاتنا المدنية، إن حضرت، كتّابَ أغانٍ لم يأتوا من قصيدةٍ قبّانية. أتحمل أغنيتُنا ترنّحَنا الهوياتيّ ذاته، ذاك الذي يتيه في ارتحالاته صوب دجلة والفرات العراقيَّين، ويذهب لبيروت إن تغندر، وقاهرياً إن أراد أن يشفي حنين قلبه وتوقه للمدى؟ أنكون كشعبٍ أكثر جدّيةً من أن نفتح صدورنا ونشقّ أثوابنا ونقف بكامل عرينا الروحيّ ونغنّي؟ ألم تؤلمنا المدن كما يجب، ألم نحبّ المدن كما ينبغي، أسكنّاها فعلاً، أم ما زلنا نسكن الصحارى والوديان وأناشيد المراعي؟ من يحمل اليوم حكاية البلد غنائياً؟ أهي حكايتنا ما نسمع من غناء سوري اليوم؟ وإن لا، فلماذا.
ربما لأن المدينية تولد من المجهول الجائم في طرقاتها: من رجلٍ يمشي في شارعٍ لا يعرفه فيه أحد، فيصير الغناء طريقته الوحيدة في مخاطبة الجميع. ودمشق، على قِدَمها، لم تُذوّب حاراتها في مدينة؛ ظلّت اتحاد أحياءٍ مغلقة يعرف الجميع فيها اسم أبيك، ولا يستطيع المرء أن يفتضح غنائياً أمام من يعرفه. حلب أنتجت القدود والوصلة، لكن غناءها سكن المجالس والقاعات. وظلت أغنيتها غائبة عن الأرصفة.
ربما لم نملك أغنية سورية كون ميكروفوناتنا ملكيةً عامةً، إذاعة ووزارة. والحزن، كي يصير أغنية، احتاج إذناً بالبكاء؛ فعندما يصير الأسى شبهة، وسؤال النقمة، الثورة، أو الهجران تمرداً، ينسحب الغناء إلى رومانسيةٍ مجرّدة أو إلى «فولكلور» معاد العلك، مرخَّص. حدث هذا في لشبونة أيضاً: خرج الفادو من حانات الموراريا وبيوت دعارتها، حيِّ الميناء الذي يجهل الوافدين إليه، ثم صادره سالازار وأدرجه في ثالوثه الشهير، الفادو والفاتيما وكرة القدم.
فأين بالشام من باقي المدن التي غنّت نفسها، فعلت ذلك بأسماء شوارعها وحجارة أرصفتها. إيديت بياف التي حملت الرصيف الباريسي في معطفها سيرةً ذاتية. جاك بريل الذي غنّى أمستردام بسُكارَاه ونوارسه، وسأم البورجوازية المقيم. وليونارد كوهين الذي مشى بين مونتريال ونيويورك: بين النهر والكنيسة، بين فنادق الغرباء، فكتب حكايات الغريب. وفي لغتنا فعلها زياد الرحباني: أنزل بيروت من الترفع الرحابني إلى المقهى وزحمة السير وسيارة الأجرة وطبقة الفواعلية والأجراء من صبحي الجيز إلى رضا والخسة.
ربما، لم تتأخّر أغنيتنا، ربما ستأتي بها الهجرة. فالسوريون باتوا يعرفون المدن كما ينبغي لغريب: من نوافذ برلين وإسطنبول وتورونتو، ومن أنقاض حلب وحمص. صرنا نتلمس البرد في عزلة الشقق المحاطة بالثلج، والوظيفة التي تمتهن أرواحنا، والحنين الذي لا يجد قريةً يعود إليها. هذه مادةُ أغنية، لا مادةُ نشيد. وستأتي حين يتجرّأ أحدهم على أن يغنّي الشام لا باعتبارها عشيقة معطرة بالياسمين، بل امرأةً تركب الباص فجراً.

#عبير داغر اسبر#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم