في مثل هذا الصباح من 29 عاماً رحل المؤرخ والباحث اللادقاني :جبرائيل سعادة.

جبرائيل سعادة
في مثل هذا الصباح من 29 عاماً رحل المؤرخ والباحث اللادقاني جبرائيل سعادة، الذي وشق نفسه كالتالي:
” أنا أصنف نفسي كمواطن ٍ يحب بلاده، ويدافع عن مصلحتها بأي شكل ٍ، وأنا لا أهتم بالخطابات والكلمات، ما يهمني من أي شخصٍ، ومن أي حزبٍ، هو الفاتورة التي يقدمها للتاريخ، لأنني أنا شخصيا ً مؤرخ “

كان جبرائيل سعادة يحاول التفوق على نفسه، هدم كنيسة، وبنى مكانها مدرسة، الثانوية الوطنية الأرثوذكسية، بدأ يتعلم الموسيقى لمنافسة آل العجان، واهتم بالأدب قراءة ً وكتابة ً، وهذا ما قاده مصادفة ً إلى أوغاريت، فقد كان يبحث في إحدى دور بيع الكتب في باريس عن كتاب ٍ ما عندما وقع نظره على صفحات ٍ تحكي عن موقع أثري شمال اللاذقية، وكانت البداية مع أوغاريت كتابة ً واهتماما ً.

لم يكن طريق كابي معبدا ً فمنذ البداية هوجم، وحتى عندما بنى المدرسة كتب عنه صحفيٌ لاذع اللسان عنوانا ً تكرر في صحيفةٍ:
الولد ولد لو عمر مدرسة.

ورغم (نهفاته) مع الآخرين كان الآخرون يكنون الاحترام الكبير له، رغم مخالفتهم الرأي له، وبعضهم لم يحمل نفسه عناء الرد على نهفاته أو انتقاداته الكبيرة لهم، ومنهم الموسيقار محمد عبد الوهاب، ورغم أكثر من مقال ومحاضرة ه في الصحف بعنوان (ضد عبد الوهاب) فإن رأي كابي لم يكن إلا شخصيا ً، فقد أحب طرب عبد الوهاب وموسيقاه، ولا تستغربوا من هذا الموسوعي في آخر أيامه، نه كان معجبا ً بشكل ٍ كبير بالمطرب رامي عياش وأغنيته (بغنيلا وبدقلا، وغير بحبك ما بقلا) وطلب مني أن أزوده بكاسيت الأغنية ، فطلبتها من فايز فضول الذي استغرب أنها لكابي…

وقبل وفاته بأيام، وكلن فاقدا ً للنطق، استمع إلى حفل ٍ فني ٍ للفرقة التي كان مسؤولا ً عنها، وتضايق مرتين معلنا ً ذلك بيديه، أمام مدير الفرقة. ليؤكد أن حسه مازال سليما.
وقبل أيامٍ من وفاته حاول ماركسيٌ متمترسٌ نثر الأمل في نفسه، احتضنه مودعا ً:
ـ خلي إيمانك بالله كبير يا أستاذ.
استجمع الأستاذ كل ما بقي لديه من ثقافة وقوة، وقالها متقطعة ً للماركسي المعروف:
ـ قول لحالك.

هذا هو الجميل كابي الذي كان مصرا ً أن يستكمل دراسة أغاني وموسيقا اللاذقية، فالقسم الذي أنجزه ليس كافيا ً، وهو وحيد الجانب، وبدون:
“دراسة آل العجان حول الجزء الآخر من المدينة فإن دراستي لن تكتمل ” ولم تكتمل، كما لم يصدر، ويبدو لن يصدر آخر جهدٍ فكري ٍ تاريخي ٍ له حول ” أوغاريت ومملكتها ” الذي تركه بأكثر من ألف وثلاثمائة صفحة، بين أيدٍ أمينةٍ.

ولن ينفعه ندمه على إهداء مكتبته إلى جامعة تشرين، كما صرح لفاطمة داود قبل وفاته.

اللاذقية، تلك القرية الكبيرة أحبها كابي وأحبته، غادرها باكرا ً تاركا ً إرثا ً جميلا ً من التاريخ والآثار، من الشعر والقصة، ومن الألحان الجميلة التي لم يقدر لها أن تنتشر رغم ما ساهم به كابي من انتشار ٍ لأغاني اللاذقية وغيرها. ورغم ما قدم من مساهمات ٍ لم تكن صورة ً حقيقية ً عن المستوى الفكري الكبير لكابي.

كتبت في رثائه:
” قال عنه حنا مينة: في اللاذقية بحران بحر الماء وبحر الآثار،
وأقول له: ستبقى بحرا ً للآثار مجاورا ً للمتوسط، يسمع نداءه الخفي، تلتقي وشوشات روحه مع وشوشات موجه.

ابن السما الأوغاريتي.

ساجي يوسف قرقماز

***&**

جبرائيل سعادة

ولد جبرائيل سعادة يوم الأربعاء 29 تشرين الثاني 1922 في اللاذقية
– درس في مدرسة الكرمل عامي 1928 في الروضة 1929 في الصف الأول ثم في معهد الفرير من عام 1930 حتى 1933 حصل على الكفاءة أما دراسته الثانوية كانت في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين في بيروت وتابع دراسته الجامعية في كلية الحقوق الفرنسية التابعة لجامعة القديس يوسف .
ومنذ طفولته وهو يبحث عن أساطير بلاده ، انتخب رئيساً لجمعية العاديات في عام 1977 حتى عام 1987 ثم أعيد انتخابه للجمعية عام 1991 واستمر حتى 1995 كما عين رئيساً لفرع اتحاد كتاب العرب بين 1981 حتى 1983 اتجه إلى الآثار والتاريخ ، بقي عازباً طوال حياته . وتابع فيهما ، ساهم عام 1941 بتأسيس نادي الشباب ثم ساهم عام 1945 بتأسيس النادي الموسيقي وكان نائباً لرئيس ادارته حتى 1961 وفي هذا العام بالذات انتخب رئيساً للنادي الموسيقي وفي عام 1950 أسس رابطة أصدقاء أوغاريت التي كانت تهتم بالتاريخ السوري والمواقع الأثرية المتعددة في سورية كما ساهم في الحركة الرياضية في اللاذقية حيث أسس نادي اللاذقية الرياضي وبقي رئيساً للنادي من عام 1955 ولغاية 1964 وقد دمج هذا النادي مؤخراً مع أندية أخرى وأصبح الأسم الجديد بعد الدمج ( نادي تشرين ) عام 1961 كما أصبح رئيساً لنادي خريجي المعاهد العالية و اصبح عام 1973 عضواً في مركز الأبحاث التاريخية و الاثرية التابع للمديرية العامة للاثار والمتاحف وفي عام 1975 اصبح عضواً في لجنة تنشيط السياحة
ارتباطه بالتاريخ والآثار جاء عن طريق المصادفة عندما كان يبحث في مكتبة فرنسية عن كتاب بعينه، وقد قال عن هذه المصادفة: “أثناء وجودي في مكتبة “الاستشراق” في باريس عام /1946/ للبحث عن الزاوية الموسيقية عثرت على مجلد من المقالات كان عنوانه: “حفريات رأس شمرة”، وهو طبعة منفردة لتقارير “كلود شيفر” عن “رأس شمرة” التي تبعد عن “اللاذقية” /3/ كم، فاشترى التقارير وبدأ مرحلة البحث عن الآثار.”
وأضاف:” علم الآثار لن يكتمل في “سورية” حتى يسيطر الباحثون السوريون على هذا العلم، والأجنبي يهتم بتراثنا على أنه مادة دراسية فقط.”
قد وصفه “أندريه بارو” عالم الآثار الشهير ومدير الآثار في فرنسا سابقاً خلال تقديمه له ليلقي محاضرة في “متحف اللوفر” بباريس عام /1970/، فقال: «”جبرائيل سعادة”، هذا الرجل الذي أمامكم هو عالم آثار، لكن عالم الآثار هذا شاعر لأنه يعشق الوطن».

كان جبرائيل سعادة دائماً يختتم بحوثه بالتوصية إلى وزارة السياحة بالمهام التالية :

  • توفير ثقافة سياحية إلى جميع المعنيين بأمور السياحة – ايجاد أفضل السبل التي تؤمن النوعية السياحية للجميع – دراسة واقعنا السياحي دراسة علمية بالاستناد خاصة إلى الاحصائيات وتحليلها بكل أمانة ومقارنتها مع احصائيات البلاد الأخرى – الاطلاع على السياحة العالمية – الاطلاع على كل ماينشر عن السياحة السورية في الخارج – الوقوف بدقة على لآراء السياح أثناء تجولهم في ربوعنا .
    إن مكتبته الغنية تضم حوالي 15000 كتاب / الثلث منها باللغات الأجنبية 90% منها بالفرنسية 8% بالانكليزية و2 % بالألمانية والايطالية والتركية والروسية واليونانية والثلث الآخر من الكتب باللغة العربية . وهناك جناح خاص يجمع كل شيء عن اللاذقية بوثائق الكتب والمخطوطات والصور منذ أقدم الأزمنة وحتى يومنا هذا وقد بلغ عدد هذه الوثائق والصور أكثر من سبعة آلاف صورة . لقد وهب جبرائيل سعادة كل مكتبته إلى جامعة تشرين وذلك بعد وفاته كي تكون في متناول وخدمة أكبر عدد من أبناء اللاذقية والدارسين في جامعتها .
  • مؤلفاته المنشورة باللغة العربية :
  • رأس الشمرة آثار أوغاريت / المديرية العامة للآثار والمتاحف 1953 .
  • أوغاريت- دراسة باللغة الفرنسية- عام 1954 (ترجم إلى العربية عام 1955).
  • محافظة اللاذقية / وزارة الثقافة دمشق 1961
  • تاريخ اللاذقية /ج1 باللغة الفرنسية – 1964
  • معلومات موجزة عن رأس شمرا- 1968.
  • عندما تغني اللاذقية- أغان- اللاذقية 1964.
  • دليل المتحف الوطني بدمشق- ترجمة إلى الفرنسية – دمشق 1969.
  • الأبتر/ رواية ممدوح عدوان- ترجمة إلى الفرنسية- دمشق 1971
  • القديس اليان الحمصي / مطبعة الآباء اليسوعيين بيروت 1974
  • المختصر في تاريخ اللاذقية 1984أبحاث تاريخية و أثرية (ترجمة سلمان حرفوش ) / دار طلاس دمشق 1987و يضم هذا الكتاب دراسات عديدة بالفرنسية و في مجلات أجنبية و كانت الطبعة الثانية اللاذقية 1995
  • وراء القضبان مجموعة قصص قصيرة / ( ترجمة سلمان حرفوش)دار المنارة اللاذقية 1991 بالإضافة الى عدة منشورات عربية واجنبية وعدد من المسرحيات

ان الباحث الراحل صاحب مكتبة ضخمة جداً لطالما فتحت أبوابها لزوار “اللاذقية” والباحثين عن العلم والمعرفة بأنواعها المختلفة ووصل عدد الكتب فيها إلى /15000/ كتاب، ولم تقتصر المكتبة على الكتب بل ضمت أكثر من /8000/ شريط مسجل عن الموسيقا العربية، إلى جانب المكتبة المصورة التي تضم /10000/ صورة و/9000/ شريحة مصورة عن (الآثار، التاريخ، الشخصيات، الوثائق.. إلخ)، يضاف إلى موجودات المكتبة أيضاً أكثر من /90/ حديثاً إذاعياً لـ”سعادة” و/105/ أحاديث عن السياحة، وأحاديث عن “الموسيقا العربية” و/53/ حديثاً إذاعياً بالفرنسية عن الأدب السوري، و/44/ حديثاً عن المواقع الأثرية والسياحية في “سورية”.

by_fidaa_darwish

أخر المقالات

منكم وإليكم