السينما الشُجاعة إذ تروي التاريخ
آن ماري جاسر وفيلمها “فلسطين 36
في أحدث أفلامها “فلسطين 36” (إنتاج مُشترك من فلسطين، إنكلترا، أميركا، فرنسا، الدنمارك، النرويج، قطر، السعودية، الأردن والسويد)، تُعلن صانعة الأفلام الفلسطينية آن ماري جاسر موقفها الواضح سياسيًا وفنيًا من القضية الفلسطينية، حين تعود بالزمن إلى الوراء حوالي تسعين عامًا، إلى فترة الاحتلال الإنكليزي لفلسطين، وتحديدًا إلى العامين 1936 و1937، لتروي في فيلم من تأليفها وإخراجها وقائع مقاومة أهالي قرية البسمة لنهب أراضيهم كما هندسته الحكومة البريطانية، لصالح إنشاء مستوطنات لليهود المطرودين من أوروبا. الحكومة الإنكليزية طالبت العرب بأن “يُضحوا لحل مُشكلة أولئك اليهود”، مع أن مُشكلتهم خلقتها الدول الأوروبية نفسها، التي “لم تعد تريدهم على أرضها”، كما يأتي على لسان إحدى شخصيات الفيلم.لا يُقدم “فلسطين 36” حلقة من الصراع على الأرض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل يروي القصة في أصلها، حلقة من اتفاقات بين قوى عُظمى تفرض إرادتها بنظام الأمر الواقع على سُكان الأرض من الفلسطينيين، مُستفيدة من ظرف الحرب العالمية، والارتباك الدولي لتصدير مُشكلتها مع اليهود إلى بقعة أخرى، مروجة في الطريق حكايات دينية عن الأرض الموعودة. هذا الطرح الصريح، الذي لا يُهادن، ولا يبتغي مجاملة المُتفرج الغربي ــ المُحمّل سلفًا بسردية احتكار إسرائيل لدور الضحية ــ قد لا يجعل الفيلم مقبولًا عند المُتشبثين بالدعاية الصهيونية، وسردها المُختلق للتاريخ، ولا عند المُتعاطفين مُقدمًا، وعلى بياض، مع تل أبيب، بعد هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. فلئن كان ما ارتُكب ذلك اليوم هجومًا عنيفًا وبربريًا، فكيف سلك، إذًا، الاحتلال الإنكليزي وهو يُقسِّم الأرض، ويُعدِم المقاومين على مرأى ومسمع ممن بقي حيًا من أهاليهم وسيجري ترحيلهم بعد قليل؟ وهل يُمكن أن ننتظر نتيجة منطقية من المُعادلة التي كتبتها القوى الاستعمارية، سوى أن العنف سيبقى يولِّد العنف؟لم يقف الفيلم مُحايدًا، ولم تنتصر آن ماري جاسر لمجدها السينمائي فقط، بأن صنعت فيلمًا يُخاطب الغرب وفقًا للمواصفات المضمونة والمطلوبة لمن يريد أن يتحدث عن فلسطين. كأن تُركِز سردها مثلًا على قصة إنسانية منفصلة عن التاريخ تُثير التعاطف وحده، وتجعل فيلمها الإنساني يحصد جوائز لجان التحكيم هنا وهناك. خيار آن ماري كان الأصعب والأصدق، لأنه تطلب العكوف على الأرشيف، وقراءة أوراق تتعلق بحقبة أليمة من التاريخ الفلسطيني. ثم البحث عن طريقة شيقة وجذابة سينمائيًا لحكيها لجمهور على استعداد لسماع الحقائق القديمة، لكن ليس بأسلوب قديم. وكل هذا أهّل الفيلم ليصير المرشح الرسمي باسم فلسطين، للمنافسة على أوسكار أحسن فيلم دولي.”لا يُقدم “فلسطين 36” حلقة من الصراع على الأرض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل يروي القصة في أصلها، حلقة من اتفاقات بين قوى عُظمى تفرض إرادتها بنظام الأمر الواقع على سُكان الأرض من الفلسطينيين”استغرق العمل على الفيلم حوالي ثماني سنوات، كما تذكر آن ماري في الحوارات الصحافية التي أُجريت معها، أي أن العمل عليه بدأ قبل حرب الإبادة على غزة، ومع ذلك، فهو فيلم مناسب تمامًا للحظة الحالية. ذلك أنه وكما يرد على لسان إحدى الشخصيات المُقاوِمة في الفيلم: “هي مش أول مرة، ومش راح تكون آخر مرة”.إذاعة رام اللهلقطة من فيلم “فلسطين 36″يبدأ الفيلم بحدث إطلاق إذاعة رام الله برعاية إنكليزية في فلسطين، على أساس أن تكون الإذاعة الثانية في العالم العربي بعد الإذاعة في القاهرة. بالطبع، سمحت بريطانيا بظهور الإذاعة على شرط أن تسعى للتثقيف فقط، أي تبتعد ضمنيًا عن تناول المسائل السياسية. وهي الرسالة التي تلتقطها الكاتبة خلود (تؤديها ياسمين المصري)، إذ تحضر حفل الافتتاح مع زوجها أمير (ظافر العابدين)، الذي يملك صحيفة عربية، ولديه علاقات مع الإنكليز. إنه المجتمع الأرستقراطي الذي يبدأ منه الفيلم، الدائرة التي يتزعمها أمير، وتعتقد أنها قادرة على صناعة الواقع على الأرض. إلى حد ما، حاولت خلود أن تُراهن على صناعة واقع إيجابي، وسنفهم أنها تكتب مقالات تؤازر المقاومة، ويتلقفها الشعب بحماس، لكن تحت اسم مُستعار لرجل هو “أحمد كنعاني”، فمَنْ الذي سيقرأ لها إن كتبت باسمها الحقيقي؟في حفل إطلاق الإذاعة، نرى يوسف، أحد شباب قرية البسمة، ويعمل لدى أمير، يتجول حائرًا في عالم مخدومه المُترف، محاولًا أحيانًا إيصال صوت أهله الذين يواجهون إجراءات إنكليزية عنيفة في ما يخص الأراضي، والتضييق على الحركة. بينما على قرب منهم تنشأ مستوطنات يهودية. لا تبدو دائرة أمير قادرة على الإصغاء إلى صوت أهل القرية ممثلًا في يوسف. لأمير تحالفاته وحساباته الطبقية والسياسية، وقد تتداخل أحيانًا مع حسابات الحركة الصهيونية أكثر من أهل القرية القريبة.عبر يوسف (كريم داود عناية)، ننتقل إلى شخصيات أهالي قرية، وهم كما بدوا في البداية مُسالمين، إنما يرفضون المهانة، يستنكرون ارتفاع المستوطنات من حولهم، ويفطنون بفطرتهم إلى ما ستُخفيه بكل حرص مُستقبلًا السردية الإمبريالية، من أن المستوطنين اليهود لم يعد لهم مكان في بلادهم الأولى. ومع ذلك، يرفض أهل البسمة تحت أي ذريعة أن تُنتزع منهم أراضيهم. إن المقاومة بالنسبة إليهم ليست خطابًا بليغًا، ولا موقفًا ثقافيًا، إنها الهواء نفسه. خالد مثلًا (صالح البكري) عامل في مصنع، يرفض الانضمام إلى الثوار، إلا أن وقوع الظلم والمذلة عليه في عمله، يُجبره على الانحياز للمقاومة. وهكذا حتى أشد الشخصيات مُسالمة الأب بولس (جلال الطويل) سيجد نفسه بين لحظة وأخرى هدفًا للبطش الإنكليزي.حضور النساءتقول آن ماري جاسر إنها استلهمت شخصية الكاتبة خلود من شخصيتين حقيقيتين قرأت عنهما تاريخيًا. وعلى أي حال، تُقدم خلود صورة للمرأة الفلسطينية والعربية المُثقفة، التي تؤمن بقدرة الكلمة على إحداث التغيير على الأرض، وكذلك تؤمن بالمقاومة السلمية، وبأن التحاور العاقل مع مُمثلي السلطة الإنكليزية قد يؤدي إلى الوصول إلى حل. وكان نُبل خلود وصدق نواياها يصطدم كل مرة بحائط سد. الإنكليز يمارسون القوة المُفرطة على المقاومين بحيث لا يبقى مجال أمامهم إلا الرد بالعنف واستهداف الجنود. وحتى في ميدان الكتابة يحصل كاتب مجهول باسم أنور يعقوب على مساحة في صحيفة زوجها التي تكتب فيها كي يروج بفجاجة للدعاية الصهيونية. كما أن زوجها المُحب يتضح أنه يُخفي عنها أسرار مصالحه المالية.في اللوحة الجدارية التي ترسمها آن ماري في “فلسطين 36” تبزغ شخصيات نسائية أخرى، شُجاعة، ولا تفتقد إلى النُبل. هنالك مثلًا الأم حنان (هيام عباس)، التي قليلًا ما تتكلم، لكنها بما تبقى في جسدها من عنفوان تتمسك بالأرض والزوج (كامل الباشا) حتى اللحظة الأخيرة، كما تُغشش حفيدتها السر المُتناقل عبر الأجيال “عندك قوة أكبر من اللي عند كل إمبراطورية الإنكليز”. وهنالك ابنتها رباب (يافا بكري)، التي تدعم المُقاومين من الرجال، ولا تسلم من ألسن ذكور أهل القرية. ثم الحفيدة الصغيرة عفرة (وردة العلبوني)، والتي تُراقب كل هذه المقاومة بعينين ذاهلتين، وكل البطش بها، لنُحس في لحظات وكأن الفيلم يُروى من وجهة نظرها هي والصبي كريم (ورد حلو)، الذي سيشهد بدوره أحداث تفوق سنه الصغير، وستوجهه في النهاية إلى المقاومة، في صورتها المُسلحة المباشرة.”في اللوحة الجدارية التي ترسمها آن ماري في “فلسطين 36” تبزغ شخصيات نسائية أخرى، شُجاعة، ولا تفتقد إلى النُبل”على الجانب الآخر، نرى في الفيلم شيئًا من مخططات العسكر الإنكليزي وأعمالهم على الأرض لصالح الدولة اليهودية الناشئة. شخصية توماس هوبكنز سكرتير المندوب السامي (بيلي هول)، وهو ضد البطش بالمقاومين، حاول أن يلعب دورًا يُرضي ضميره في الصراع، وانتهى إلى ضرورة الانسحاب تمامًا من فلسطين، وهي شخصية لها جذور حقيقية أيضًا. ثم الأشد شرًا كابتن ونغات (روبرت آراميو)، وهو الذي أمر بتنفيذ عمليات الإعدام والتهجير بشكل مباشر، استنادًا إلى نبوءات دينية توافق هوى المصالح التي يدافع عنها.بالطبع، يزخر الفيلم بالشخصيات والأحداث والمواقف، التي تجعل إيقاعه لاهثًا ومُخيفًا في بعض الأحيان. هذا التأثير المُخيف، وكأننا نُشاهد فيلم رعب ــ وهو على نحو ما كذلك ــ تخلقه الموسيقى، والمونتاج، وحركة الكاميرا المُحاكية للتربص حينًا، والهجوم حينًا آخر. نعرف مُقدمًا، وربما بلا حاجة إلى العودة للتاريخ، أن القصة لم تنته بشكل سعيد، أو إيجابي. إننا بشكل ما كمُشاهدين نتقدم إلى مأساة، ما يجعل تجربة الفُرجة، بعيدًا عن السياسة والتاريخ، تجربة شاقة وأليمة. أعانتنا عليها مشاهد المقاومة اليومية من نوع الغناء والرقص، والقليل من لحظات الحُب، أو الشوق، أو التمني، الذي نحدس به، أكثر مما تُعبر عنه شخصيات الفيلم التي تتحرك في مساحة زمنية محدودة، سواء تاريخيًا، أو وفقًا لزمن الفيلم السينمائي الذي لا يتجاوز ساعتين.إن كل شخصية من هذه الشخصيات تكفي لصناعة فيلم بحاله. لكنها في اجتماعها في “فلسطين 36” كأنما تقبل بتواضع أن تلعب دورًا صغيرًا لصالح الحكاية الجماعية، التي ما فتئت تتكرر إلى اليوم. نعم، هي ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، كما تقول الجدة حنان في الفيلم. ولعلّ الظهور الأخير لخلود، الكاتبة والفنانة وهي تتخذ قرارًا حاسمًا في علاقتها بزوجها أمير بعد الخذلان؛ لعلّه يمنحنا بعض الأمل في قوة الحكا
ا#ضفة ثالثة #الشرق الاوسط # مجلة ايليت فوتو ارت.


