في عمق يصل إلى 2600 متر تحت سطح البحر،يعيش القرش الشبح.

عينان سوداوان تحدقان في العتمة… وجسد غضروفي شبه شفاف. إنها ليست شبحاً، بل وحش حقيقي يسبح في أعمق نقطة يمكنك تخيلها.

تخيل أنك تغوص في ظلام دامس، على عمق يصل إلى 2600 متر تحت سطح البحر. لا ضوء، لا صوت، لا شيء سوى الضغط الخانق والفراغ. وفجأة… يظهر أمامك كائن بجسم انسيابي، وجلد أملس بلا قشور، وعينان كبيرتان سوداوان تحدقان بك ببرود. يطفو ببطء، وكأنه شبح خرج من عالم آخر. هذا هو سمك القرش الشبح (Ghost Shark)، أو كما يُعرف علمياً بـ الكيميرا (Chimaera)، أحد أقدم وأغرب الكائنات التي تسكن أعماق محيطاتنا.

لماذا “شبح”؟ ولماذا “قرش”؟

الاسم مضلل قليلاً. أسماك القرش الشبحية ليست أسماك قرش حقيقية، بل تنتمي إلى مجموعة من الأسماك الغضروفية تُسمى “الكيميرا”، وهي قريبة وراثياً من أسماك القرش والشفنين، لكنها انفصلت عنها في شجرة التطور قبل حوالي 400 مليون سنة. سبب تسميتها بـ “الشبح” يعود إلى مظهرها: جلدها الأملس الخالي من القشور، وعيونها الكبيرة “الفارغة” التي تبدو بلا حياة، وزعانفها الصدرية الطويلة التي ترفرف ببطء وكأنها تطفو في الهواء، كلها صفات تمنحها حضوراً أشبه بالكائنات الخارقة.

وحش بلا عظام… وهيكل من الغضاريف

مثل أسماك القرش الحقيقية، يتكون هيكل سمكة القرش الشبح بالكامل تقريباً من الغضاريف، وليس العظام. هذا ما يمنحها ذلك المظهر “الأثيري” الغريب والقدرة على المناورة في الأعماق السحيقة. يبلغ طول معظم الأنواع حوالي 150 سنتيمتراً، على الرغم من أن بعض الأنواع يمكن أن تكون أصغر أو أكبر. تتغذى على القشريات والرخويات والديدان التي تعيش في قاع البحر، وتستخدم أعضاء حسية متخصصة لاستشعار الكهرباء الضعيفة التي تطلقها فرائسها في الظلام، وهي قدرة تُعرف باسم “الاستقبال الكهربائي” (Electroreception).

أغرب أسرارها… في رأسها!

إذا كان مظهرها الخارجي مثيراً للفضول، فإن أسرارها البيولوجية أكثر غرابة. بعض أنواع أسماك القرش الشبحية تمتلك أعضاء تناسلية قابلة للانثناء على رؤوس الذكور، تُستخدم للإمساك بالأنثى أثناء التزاوج. والأغرب من ذلك، أن إناث بعض الأنواع تمتلك “بنكاً” لتخزين الحيوانات المنوية داخل أجسامها، يمكنها الاحتفاظ به حياً لسنوات، لتستخدمه في وقت لاحق عندما تكون الظروف مناسبة للتكاثر. هذه القدرة حاسمة في أعماق المحيط، حيث يكون العثور على شريك أمراً نادراً.

“حفرية حية” لم تتغير منذ عصور

تعتبر أسماك القرش الشبحية من أقدم مجموعات الأسماك على وجه الأرض. تشير السجلات الأحفورية إلى أنها كانت موجودة منذ العصر الفحمي، أي منذ حوالي 375 مليون سنة، أي قبل ظهور الديناصورات بكثير. وبينما تطورت معظم الكائنات بشكل جذري، يبدو أن هذه المخلوقات وجدت “الوصفة المثالية” للبقاء في أعماق المحيطات، فحافظت على شكلها العام إلى حد كبير حتى يومنا هذا، مما يجعلها تُوصف بأنها “أحافير حية”.

هل ما زال هناك المزيد؟

العالم لا يزال يجهل الكثير عن هذه الكائنات. في عام 2024 وحده، تم اكتشاف ثلاثة أنواع جديدة من أسماك القرش الشبحية، ليصل العدد الإجمالي المعروف إلى 59 نوعاً. وبفضل التقنيات الحديثة مثل المركبات التي تعمل عن بعد (ROVs)، بدأ العلماء أخيراً في إلقاء الضوء على هذا العالم المظلم، لكن كل اكتشاف جديد يفتح الباب أمام أسئلة أكثر مما يجيب.

فهل تعتقد أن أعماق محيطاتنا لا تزال تخفي كائنات أغرب من الخيال… تنتظر فقط من يجرؤ على الغوص بحثاً عنها؟ شاركنا رأيك ولا تنسَ المتابعة ليصلك كل جديد
دمتم بخير
#المؤرخ_محمود_عبدالحي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم