بقلم : أحمد رشدي
لم يعد الوقت في عصرنا مجرد وحدات تُقاس بالساعات والدقائق بل تحول إلى ساحة صراع مفتوحة بين الإنسان ومتطلبات الحياة المتزايدة فكل شيء من حولنا يطالبنا بالإسراع القرار سريع والخبر أسرع والحكم أسبق من التفكير حتى كاد التمهّل يبدو ترفا لا يملكه إلا القليل بينما الحقيقة أن أخطر ما يمكن أن نفقده اليوم هو القدرة على التروّي.
لقد فرض إيقاع العصر واقعا جديدا جعل الإنسان يلهث خلف الأحداث دون أن يمنح نفسه فرصة الفهم العميق فأصبحنا نعرف الكثير عن كل شيء لكننا لا نفهم إلا القليل وهنا تكمن المفارقة فالمعرفة السطحية لا تبني وعيا ولا تصنع قرارا رشيدا بل قد تتحول إلى عبء حين تُستخدم في غير موضعها.
إن التمهّل لا يعني التراجع ولا يعبر عن ضعف بل هو فعل قوة ووعي فالقرارات المصيرية لا تُتخذ تحت ضغط الانفعال ولا تُبنى على ردود الأفعال السريعة بل تحتاج إلى نظرة شاملة تربط بين الأسباب والنتائج وبين اللحظة الراهنة والمستقبل البعيد وقد أثبتت التجارب أن أكثر الأخطاء كلفة هي تلك التي وُلدت في لحظة استعجال.
وفي مجتمعاتنا المعاصرة تتجلى الحاجة إلى هذا التوازن أكثر من أي وقت مضى توازن بين سرعة الإنجاز وعمق الفكرة وبين مواكبة العصر والحفاظ على القيم فالتقدم الحقيقي لا يقاس بكم ما ننجزه في وقت قصير بل بمدى صلابة ما نبنيه وقدرته على الاستمرار.
كما أن التمهّل يمنح الإنسان فرصة مراجعة الذات وتصحيح المسار فالحياة ليست سباقا بلا خط نهاية وإنما رحلة طويلة تحتاج في بعض محطاتها إلى التوقف لا للكسل بل لإعادة ترتيب الأولويات فكم من إنجاز بدا عظيما في لحظته ثم انكشف خواؤه مع مرور الوقت وكم من خطوة محسوبة بدت بطيئة لكنها صنعت فارقا حقيقيا.
إننا في حاجة إلى ثقافة جديدة تعيد الاعتبار لقيمة الوقت لا باعتباره عدوا يجب قهره بل شريكا يجب فهمه ثقافة تحترم العقل قبل العاطفة وتمنح التفكير حقه قبل الحكم.
فحين نتعلم كيف نتمهّل دون أن نتوقف وكيف نتحرك دون أن نندفع نكون قد اقتربنا خطوة حقيقية من المعنى.
وفي النهاية يبقى الإنسان هو محور كل تقدم فإن صلح فكره استقام فعله وإن أحسن إدارة وقته أحسن إدارة حياته وحين ندرك أن التمهّل ليس تأخرا بل وعي يصبح الطريق أوضح والاختيار أصدق والمستقبل أكثر اتزانا واستحقاقا للأمل.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت


