“فن الحرب “

كتاب يدعو للسلم و يصلح لـ”فن الحياة ” أيضًا

مراد حاج 

قد يثير عنوان الكتاب الدهشة والاستغراب، بحكم استحالة تجانس كلمتي ” فن ” وحرب” في عبارة واحدة للتعبير عن معنى معين. لكن الموقف قد يتحول إلى اعجاب عندما تتطلع عزيزي القارئ على الكتاب الذي ألفه الصيني سون تزو، في القرن الخامس قبل الميلاد والذي، وعلى الرغم من قدمه، لا يزال يُدرس ويُدَرّس في كبرى الأكاديميات العسكرية العالمية.

“فن الحرب”، يعتبر بمثابة “دليل” للحرب” و للسلم أيضًا، فهو ينظر إلى “الحرب” كمسألة حيوية لكل بلد، فكل بلد مطالب للاستعداد لخوضها في أي وقت، ولكنه مطالب أيضًا بالسعي لتجنبها قدر المستطاع والعمل على تحقيق النصر فيها بأقل الخسائر البشرية والمادية الممكنة في صفوف الجيوش والشعوب بما فيها جيوش البلدان المُعادية والمُعتدية.

ويوصى الكتاب باستعمال أساليب المكر والجوسّسة للتفوق على العدو في المعارك وحتى قبل خوضها أو بدون خوضها تمامًا. ويركز على الجانب النفسي للقائد والضباط والجنود لحسم المعارك ويوصي بضرورة الاعتناء بالحالة المعنوية والصحية للجندي البسيط والعمل على اشراكه في المعارك في أفضل الظروف المناخية و الزمانية وحتى الجغرافية. 

الكتاب عبارة عن دليل من 13 مادة، يتضمن تعاليم أساسية موجهة  للقادة العسكريين، استلهمها ” سون تزو” من خلال تجربته الشخصية كقائد عسكري كبير في خدمة ملكه  خلال حقبة “الربيع والخريف” المهمة في تاريخ الصين، كما استلهمها أيضًا، مثلما يؤكده شخصيًا، من تجارب وحكم القادة والحكماء الصينين الكبار الذين سبقوه في الحياة وفي “الحرب”.

ولد سون تزو في حوالي عام 544 قبل الميلاد، وتوفي في حوالي  سنة 496 قبل الميلاد، وكان اسمه “سون وو” وعاصر نهايات  عصر “الربيع والخريف”، وهي حقبة في التاريخ الصيني يُعتقد أنها تمتد بين عامي 771 و476 قبل الميلاد، والتي شهدت تحول المجتمع الصيني من مجتمع العبيد إلى المجتمع الإقطاعي، حيث كثرت الحروب بين أكثر من 130 مملكة صغيرة، ما أدى في النهاية لظهور خمس ممالك قوية تنازعت فيما بينها على السلطة والحكم في حقبة مهمة أخرى من تاريخ الصين، سُميت  بـ”عصر الممالك المتحاربة”.

وبحسب المؤرخين الصينين القدامى، فإنّ سون تزو كان القائد العام ( جنرال) لجيش دولة “وو” في عهد الملك ” هيلو دو وو” الذي حكم هذه الدولة أو المملكة من 514  إلى 496 قبل الميلاد.

وتوجد الكثير من الروايات حول ظروف تأليف سون تزو لكتابه الشهير ” فن الحرب”، وأكثرها شيوعًا تلك التي تقول أنّه وبعدما كان ضابطا عسكريًا كتب 13 مقالة حول فن الحرب وقدمها للملك الذي اعجب بها كثيرًا فعينه قائدًا عامًا لجيش المملكة، وذلك قبل أن يدخل الغرور والتكبر إلى قلب الملك، مع مرور السنوات، بحيث لم يعد يستمع لأراء القائد العام لجيشه، ما دفع بسون تزو لترك العمل معه والعيش في قرية صغيرة منعزلة داخل الغابات، حيث عمد إلى تعديل المواد الـ13 لكتابه ” فن الحرب”.

وبعد وفاة سون وو، تحول اسمه إلى سون تزو، وكلمة “تزو” في اللغة الصينية هي مثل كلمة “أستاذ” في اللغة العربية، وهي تعني الرجل الذي بلغ المراتب العليا في العلم والفلسفة.

وظل مخطوط “فن الحرب” لسون تزو، متجاهلًا إلى غاية قيام الامبراطور شينزونغ، سادس امبراطور لسلالة “سونغ” بجمعه في سنة 1078 ، رفقة مخطوطات لفلاسفة و استراتيجيين عسكريين صينيين آخرين، ضمن كتاب عنونه بـ” الكلاسيكيات السبعة للفن العسكري”. وأمر بضرورة وضع شرط معرفة تعاليم سون تزو على كل شخص يترشح للانضمام للجيش الامبراطوري الصيني.

ودخل كتاب ” فن الحرب” إلى أوروبا في سنة 1772، لما ترجمه إلى اللغة الفرنسية، المُنصًر الفرنسي ” جوزيف ماري أميوت”  الذي عاش بالصين من صيف 1750 إلى غاية وفاته في سنة 1793.

وقد اعتمد الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت على هذا الكتاب الرائع، في حروبه ضد أعدائه الأوروبيين، في بداية القرن التاسع عشر، ومن غير المستبعد أن تكون الارشادات والنصائح الموجودة في الكتاب قد لعبت دورًا كبيرًا في تحقيقه تلك الانتصارات السريعة والباهرة في المعارك العسكرية التي خاضها وأدت لسيطرته على معظم أنحاء أوروبا في فترة قصيرة.

كما ألهم الكتاب كبار القادة العسكريين للثورة الصينية، كماو تسي تونغ، و حرب الفيتنام، كهوشي مينه والجنرال جياب، في منتصف القرن الماضي، مثلما انبهر به كبار القادة العسكريين الأمريكيين، الذين أوصوا به كل جندي أمريكي ذهب للمشاركة في حرب الكويت أو عملية “عاصفة الصحراء” في سنتي 1990 و 1991 بقراءته والاستفادة منه. 

أنا مترجم هذا الكتاب، لا أدعي أنّي قد ترجمته من نسخته الصينية الأصلية، ولكن ترجمته إلى العربية من خلال أول نسخة مترجمة باللغة الفرنسية لجوزيف ماري أميوت. وقد أضفت توضيحات بخصوص بعض المصطلحات والأحداث التاريخية وقمت بتذييلها حيث قد تكون مفيدة للقارئ ليفهم محتوى الكتاب بشكلٍ أفضل.

#مجلة إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم