في عام 1451م، رحل السلطان مراد الثاني واعتلى ابنه السلطان محمد العرش للمرة الثانية. لكن أوروبا والإدارة العثمانية لم يدركوا أنهم أمام شخصية مختلفة تماماً؛ فلم يكن الشاب ذو الـ19 عاماً مجرد “طفل غر” كما ظنوا.
كان الصدر الأعظم جاندارلي خليل باشا لا يزال يمارس سياسته المحبطة: “لنرفع هذا الحصار، فالصليبيون سيأتون ويسببون لنا المتاعب”. كانت هذه الكلمات هي القشة التي قصمت صبر الفاتح؛ فهدفه كان أسمى وأكبر؛ كان يهدف للقضاء على الإمبراطورية البيزنطية وجعل الدولة العثمانية قوة عالمية كبرى.
بدأ الفاتح العمل فوراً ببناء قلعة “روملي حصار” (المعروفة ببوغاز كيسن أو قاطعة المضيق). رسم الفاتح مخطط القلعة بيده، وكان يعلم أن مفتاح فتح إسطنبول يكمن في قطع شريان الحياة عنها؛ أي منع وصول إمدادات القمح والمساعدات العسكرية القادمة من البحر الأسود.
بُنيت القلعة في أضيق نقطة بالمضيق (حوالي 660 متراً)، في مواجهة قلعة “الأناضول” التي بناها جده بايزيد الصاعقة، ليحكم بذلك قبضته الكاملة على الملاحة. والمذهل في هندستها أن مخططها صُمم ليشكل اسم “محمد” بالحروف القديمة عند النظر إليها من الأعلى، ليكون ذلك بمثابة “ختم إسلامي” يُطبع على أبواب المدينة. وبفضل حنكته في إدارة وزرائه، اكتمل بناء هذه القلعة الضخمة في وقت قياسي لم يتجاوز 4 أشهر.
حاول الإمبراطور البيزنطي قسطنطين إيقاف البناء عبر السفراء، فكان رد الفاتح حازماً وقاطعاً: “هذا ملكي، أفعل فيه ما أشاء؛ وإن أرسلتم سفيراً مرة أخرى فسأسلخ جلده”.
بينما كانت القلعة ترتفع، كان الفاتح يشرف على صناعة سلاح لم يشهد العالم له مثيلاً: “مدفع شاهي”. كان هذا المدفع عملاق بكل المقاييس؛ فبلغ وزنه حوالي 17 طناً، وطوله 8 أمتار، وقطر فوهته يقترب من 63 سنتيمتراً.
لم يكتفِ الفاتح بإعطاء الأوامر، بل شارك بنفسه في إجراء الحسابات الباليستية وتقديرات المدى لهذه المدافع، مستخدماً علمه الواسع في الرياضيات. أما نقل هذه المدافع من أدرنة إلى إسطنبول، فقد كان ملحمة لوجستية بحد ذاتها؛ حيث خُصص 120 ثوراً وفريق من 200 شخص لسحب المدفع الواحد. وتمت تسوية الطرق وتقوية الجسور مسبقاً، لتستغرق الرحلة شهرين كاملين من الصبر والعمل الدؤوب.
لم يتأخر الوقت كثيراً لاختبار هذه القوة الجبارة؛ فبمجرد وضع المدافع في القلعة، حاولت سفينة إيطالية المرور عبر المضيق دون إذن، فاستقرت بداخلها طلقة واحدة من مدافع الفاتح أغرقتها على الفور. كانت تلك الطلقة هي “كلمة النهاية” لعصر الهيمنة البيزنطية، والإنذار الحقيقي بأن أسوار القسطنطينية لم تعد منيعة كما كانت طوال ألف عام.
كانت حادثة إغراق السفينة الإيطالية أمام قلعة “روملي حصار” هي صافرة الإنذار التي أعلنت بداية النهاية للإمبراطورية البيزنطية. لقد أصبحت القسطنطينية محاصرة رسمياً، وانقطع عنها نَفَسُها اللوجستي تماماً. في تلك اللحظة، كان السلطان الشاب قد كسب نصف المعركة في ذهنه قبل أن يطلق قذيفة واحدة نحو الأسوار.
في السادس من أبريل عام 1453م، بدأ الحصار الكبير. تصدر المشهد مدفع “شاهي” العملاقة، الذي كان يطلق قذائفه السبع أو الثماني يومياً بحذر شديد؛ إذ كان يتحتم تبريد فوهاته بزيت الزيتون بعد كل طلقة لتجنب انفجار المعدن من الحرارة المفرطة.
عندما كانت تلك القذائف، التي يزن الواحدة منها 600 كيلوغرام، ترتطم بالأسوار، كان دويها يُسمع من على بُعد كيلومترات، ويحدث اهتزازاً في أرجاء المدينة يشبه الهزة الارضية. بفضل هذه المدافع، تهاوت الأسوار الصامدة منذ ألف عام، ومعها طُويت صفحة كاملة من تاريخ البشرية؛ حيث انتهى عصر القلاع الحصينة وبدأ عصر السيادة المطلقة للأسلحة النارية.
رغم قوة المدافع، واجه الجيش العثماني تحدياً بحرياً كبيراً؛ فقد كانت السلاسل الحديدية الضخمة تمنع الأسطول من دخول “القرن الذهبي”، حيث الجانب الأضعف من الأسوار. وفي 20 أبريل، نجحت ثلاث سفن جنوية محملة بالمساعدات من البابا في اختراق الأسطول العثماني ودخول القرن الذهبي، مما أدى لتراجع كبير في معنويات الجنود.
هذا الحدث فجّر غضب الفاتح، الذي اقتحم مياه البحر بفرسه معنفاً قائد أسطوله. لكن هذا الانكسار كان هو “المحفز” لولادة أعظم خطة في التاريخ العسكري: إذا لم تستطع السفن عبور السلاسل، فستسير فوق اليابسة!
في خطوة عبقرية، قرر الفاتح نقل 72 سفينة براً عبر تلال “توبخانه” وصولاً إلى “قاسم باشا”. كان المسار وعراً وحرجياً يمتد لنحو 3 كيلومترات. ولضمان السرية، شن الفاتح قصفاً مدفعياً مكثفاً لصرف انتباه البيزنطيين، بينما كان آلاف الجنود والعمال يعملون تحت جنح الظلام.
قُطعت الأشجار وسُويت الأرض، وأُنشئت سكك من ألواح خشبية سميكة طُليت بكثافة بشحوم الأغنام وزيت الزيتون لتقليل الاحتكاك. وفي ليلة واحدة، سُحبت السفن الضخمة بواسطة مئات الجواميس وآلاف الجنود، ورُفعت أشرعتها وقُرعت الطبول فوق اليابسة لضبط الإيقاع وبث الرعب في قلوب الأعداء.
عندما أشرقت شمس 22 أبريل، صُدم العالم برؤية الأسطول العثماني يرسو في مياه القرن الذهبي. وصف المؤرخ البيزنطي “فرانسيس” هذا المشهد بأنه “معجزة لا يستوعبها العقل”. بهذه الحركة، تشتت دفاعات بيزنطة وأُجبر جيشها على القتال في جبهتين في وقت واحد.
مع حلول منتصف شهر مايو، انتقلت الحرب إلى مستوى آخر من الدهاء. استدعى الفاتح خبراء حفر الأنفاق من مناجم الفضة في صربيا، وبدأوا حفر أنفاق تحت الأسوار لتفجيرها. إلا أن المهندس الألماني “يوهانس غرانت” في الجانب البيزنطي تمكن من رصدها وفتح أنفاق مضادة، مما أدى لاندلاع حرب طاحنة تحت الأرض.
لم يتوقف الفاتح عند هذا الحد، بل أمر ببناء أبراج حصار خشبية متحركة ضخمة، كانت تصل لارتفاع الأسوار وتمكن الجنود من الاشتباك المباشر مع المدافعين من الأعلى.
بلغ الحصار ذروته مع وصول المواجهات إلى مرحلة كسر العظم، حيث استبسل الجانب البيزنطي في صد الجنود العثمانيين باستخدام “النار الإغريقية” المنصوبة فوق الأسوار؛ وهي قاذفات لهب بدائية كانت تشكل رعباً حقيقياً، إذ تميزت بلهيب لا ينطفئ بالماء، مما جعل محاولات تسلق الأسوار معركة فدائية ضد كرات النار التي تلتهم كل ما يلمسها.
عند الدخول في الأسبوع الأخير من الحصار، وتحديداً في أواخر شهر مايو 1453م، آثر السلطان محمد الفاتح حقن الدماء، فأرسل مبعوثاً أخيراً إلى الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الحادي عشر. كان العرض سخياً: “سلم المدينة مقابل السماح لك بالخروج بسلام إلى منطقة المورة (اليونان الحالية) مع حاشيتك وممتلكاتك مع الحفاظ على حياة وأملاك جميع الأهالي”.
لكن الإمبراطور، مدفوعاً بكرامة إرث ألف عام من الإمبراطورية، رفض العرض وقرر القتال حتى النهاية. ومع فجر 29 مايو، أصدر السلطان محمد الفاتح أمره بالهجوم الشامل
نُفذ الهجوم النهائي وفق خطة عسكرية محكمة اعتمدت على ثلاث موجات متتالية لإنهاك الدفاعات البيزنطية:
الموجة الأولى: بدأت بقوات المشاة الخفيفة المعروفة بـ “العزب”، وكان دورهم امتصاص الصدمة الأولى من النبال والنار الإغريقية ووضع السلالم.
الموجة الثانية: اندفع جنود “الأناضول” المنظمون والمدربون تدريباً عالياً، ليواصلوا الضغط العنيف على الأسوار المتهدمة.
الموجة الثالثة: وهي ضربة الحسم، حيث زج الفاتح بقوات النخبة “الانكشارية”، الذين دخلوا الميدان بكامل قوتهم وانضباطهم الحديدي.
في وسط هذا الغبار والدم، برز البطل “أولوباتلي حسن” ورفاقه الثلاثون، الذين شقوا طريقهم كالسهم وسط وابل كثيف من السهام والحجارة، حتى نجحوا في تسلق قمة الأسوار ونصب الراية الإسلامية. في تلك اللحظة، عندها ظن المدافعون أن المدينة قد سقطت!”، مما أدى لانتشار حالة من الذعر والانهيار المعنوي التام في صفوف الروم.
بدأ الجنود العثمانيون يتدفقون كالسيل من الثغرات نحو مركز المدينة، وقُتل الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الـ 11 وهو يقاتل في الصفوف الأمامية فوق الأسوار؛ ومع فقدان القائد، تشتت الجيش البيزنطي تماماً وانهارت المقاومة.
وفي نهاية حصار ملحمي دام 53 يوماً، فٌتحت القسطنطينية رسمياً يوم الثلاثاء 29 مايو 1453م. ومع وقت الظهر، دخل السلطان الشاب محمد “الفاتح” المدينة منتصراً على صهوة جواده.
لم يكن هذا اليوم نصر عابر للجيش العثماني، بل كان حدث مفصلي في تاريخ العالم، حيث اُعتبر رسمياً نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة؛ حيث طُويت صفحة الإمبراطورية الرومانية الشرقية للأبد، وتحققت بذلك بشرى رسول الله ﷺ بفتح القسطنطينية وإنهاء الوجود السياسي للروم الأرثوذكس الذين حاربوا الإسلام طوال 8 قرون.
وتحولت القسطنطينية من مدينة للصلبان والقياصرة إلى تخت الإسلام “إسلامبول”، وعاصمة القوة الإسلامية الصاعدة.
لم يتوقف طموح الفاتح عند أسوار القسطنطينية، بل كانت البداية لتغيير شكل العالم من جديد لصالح المسلمين. فهو ليس فاتح القسطنطينية فقط، بل فاتح اليونان وصربيا، وألبانيا، والبوسنة، رومانيا وأكثر من 200 مدينة أوروبية.
فأثبت بذلك محمد الفاتح، أنه نعم الأمير لنعم الجيش، وبطل عظيم، أعز الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين.


