لماذا اختفى نجوم «مسرح مصر» من على الساحة الفنية؟#مسرح #مصر#تياترو؛#مصر #اشرف #عبدالباقى #MBCمصرحين يُكتب تاريخ المسرح الكوميدي المصري في العقد الأخير، سيبقى اسم أشرف عبد الباقي حاضرًا باعتباره أحد أهم من منحوا جيلاً كاملًا فرصة الظهور. لم يكتف الرجل بإنتاج عروض مسرحية، بل صنع مصنعًا حقيقيًا لاكتشاف المواهب، وأعاد للمسرح التجاري شبابه في وقت كان كثيرون يعتقدون أن الجمهور هجر خشبة المسرح بلا عودة.بدأ المشروع تحت اسم “تياترو مصر”، قبل أن يتحول لاحقًا إلى “مسرح مصر”، ليصبح ظاهرة جماهيرية استثنائية. فجأة وجد المشاهد المصري نفسه أمام مجموعة من الشباب المجهولين الذين يمتلكون طاقة هائلة وحضورًا مختلفًا، حتى أصبحوا خلال سنوات قليلة من أشهر الوجوه الكوميدية في مصر والوطن العربي.خرج من هذه التجربة نجوم مثل علي ربيع، محمد عبد الرحمن، مصطفى خاطر، حمدي الميرغني، محمد أنور، أوس أوس وغيرهم، وأصبح كل منهم يمتلك قاعدة جماهيرية ضخمة، وتسابقت شركات الإنتاج على التعاقد معهم في السينما والدراما والإعلانات.لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين ذهب بريق تلك المجموعة؟الإجابة ليست أن مواهبهم انتهت، بل إن المشروع الذي صنعهم انتهى قبل أن يكتمل نضجهم الفني.من وجهة نظري، وقع أغلب نجوم “مسرح مصر” في خطأ استراتيجي كبير، وهو أنهم تعاملوا مع الفرقة باعتبارها محطة مؤقتة للوصول إلى النجومية، بينما كان يجب أن تظل هي البيت الذي يعودون إليه مهما ازدحمت أعمالهم.التاريخ الفني مليء بالنماذج التي تؤكد أن الفرق الفنية القوية هي التي تصنع النجوم وتحافظ عليهم في الوقت نفسه. فرقة الفنان سمير غانم ورفاقه، والتجارب المسرحية التي جمعت كبار الكوميديين، وحتى الفرق العالمية، كانت تعتمد على استمرار اللقاء بين أعضائها، لأن الجمهور لا يتعلق بفرد فقط، بل يتعلق بالحالة الفنية كلها.ما إن توقفت عروض “مسرح مصر” حتى تفرقت الطرق. كل فنان خاض رحلته منفردًا، لكن النجاح الفردي لم يكن دائمًا بنفس القوة التي عاشها داخل الفريق. بعضهم حقق بطولات سينمائية لم تحقق الإيرادات المنتظرة، وبعضهم قدم مسلسلات لم تترك الأثر نفسه، وآخرون أصبح ظهورهم محدودًا بعد أن كانوا يتصدرون المشهد كل أسبوع.وهنا لا يمكن تجاهل حقيقة مهمة، وهي أن الكوميديا الجماعية تختلف كثيرًا عن البطولة الفردية. فهناك ممثل يتألق وسط المجموعة، لكنه يحتاج إلى خبرة أكبر حتى يحمل عملًا كاملًا على كتفيه. وهذا أمر طبيعي في كل مدارس الفن، وليس انتقاصًا من موهبة أحد.كما أن الجمهور نفسه تغيّر. المنصات الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والمنافسة الشرسة على المحتوى، جعلت الاحتفاظ بالنجومية أصعب بكثير مما كان عليه قبل عشر سنوات. النجاح لم يعد يُقاس بعمل واحد، بل بالقدرة على التجدد المستمر.وربما يكون المثال الأوضح هو أن كثيرًا من الفرق الكوميدية التي تفككت عبر التاريخ، فقد أعضاؤها جزءًا من بريقهم بعد الانفصال، لأن الكيمياء التي كانت تجمعهم لم تعد موجودة. فالنجاح أحيانًا لا يصنعه الفرد وحده، وإنما تصنعه الروح الجماعية.ولا يمكن تحميل المسؤولية للفنانين وحدهم، فشركات الإنتاج أيضًا تتحمل جزءًا من المشهد. فقد اعتمدت على نجومية هؤلاء الشباب في عشرات الأعمال خلال فترة قصيرة، حتى وقع بعضهم في فخ التكرار، فأصبحت الشخصيات متشابهة، والإفيهات متوقعة، وفقد الجمهور عنصر المفاجأة الذي كان يميز عروض المسرح.ومع ذلك، يبقى العامل الأهم في رأيي هو الابتعاد عن الجذور. فلو استمرت عروض “مسرح مصر” بالتوازي مع أعمالهم السينمائية والدرامية، لاحتفظ كل فنان بمنصته الأساسية التي يتواصل من خلالها مع جمهوره، تمامًا كما يفعل كبار الفنانين الذين يعودون إلى المسرح مهما بلغت نجوميتهم.المسرح ليس مجرد وسيلة للضحك، بل هو ورشة تدريب دائمة. على خشبته تتطور أدوات الممثل، ويختبر رد فعل الجمهور لحظة بلحظة، ويحافظ على لياقته الفنية. ولذلك كان الابتعاد عنه خسارة للمشروع كله، وليس للأفراد فقط.ورغم كل ما سبق، فإن الحديث عن “اختفاء” نجوم “مسرح مصر” قد يكون قاسيًا بعض الشيء. فبعضهم لا يزال يعمل ويشارك في أعمال فنية، لكن الحقيقة أنهم لم يعودوا يمثلون الظاهرة الجماهيرية التي كانوا عليها في سنوات التألق الأولى.ويبقى الدرس الأهم أن النجومية قد تأتي بسرعة، لكن الحفاظ عليها يحتاج إلى وفاء للمكان الذي صنعها، وإلى إدراك أن النجاح الحقيقي ليس في الصعود فقط، وإنما في القدرة على البقاء.وربما لو عاد هؤلاء الفنانون يومًا إلى خشبة مسرح تجمعهم من جديد، لا بدافع الحنين فقط، وإنما بروح أكثر نضجًا وخبرة، فقد يكتشف الجمهور أن السحر الذي صنع ظاهرة “مسرح مصر” لم يمت، وإنما كان ينتظر فقط من يعيد إحياءه.
#ملتقى المسرح#مجلة ايليت فوتو ارت .


