كتبت/نجده محمد رضا
غريزة الأمومة تُعدّ من أسمى المشاعر الإنسانية التي وهبها الله للمرأة، فهي تلك القوة الخفية التي تدفعها إلى العطاء بلا حدود، والتضحية دون انتظار مقابل، والحب الذي لا ينضب مهما مرّ الزمان وتغيّرت الظروف. ولكن… هل هذه الغريزة ثابتة لدى كل النساء؟ أم تختلف في شدّتها وظهورها من امرأة إلى أخرى؟
يرى علماء النفس أنّ غريزة الأمومة ليست مجرد شعورٍ فطري يولد مع المرأة فحسب، بل هي مزيج بين الفطرة والتجربة والتربية والظروف الاجتماعية. فبينما تنمو هذه الغريزة عند بعض النساء منذ الصغر، فنجدهنّ يعشقن رعاية الدمى والاهتمام بالأطفال، قد تتأخر عند أخريات إلى حين خوض تجربة الحمل والولادة، أو حتى لا تظهر بنفس القوة إطلاقًا.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أنّ الهرمونات تلعب دورًا رئيسيًا في تعزيز هذا الشعور، خاصة هرمون الأوكسيتوسين المعروف بـ”هرمون الحب”، الذي يزداد إفرازه أثناء الحمل والرضاعة فيُعمّق الرابط العاطفي بين الأم وطفلها. ومع ذلك، يبقى الجانب النفسي والاجتماعي مؤثرًا لا يقل أهمية؛ فالتنشئة الأسرية، والضغوط الحياتية، وحتى التجارب السابقة في الطفولة، يمكن أن تحدد مدى بروز أو خفوت غريزة الأمومة.
ويؤكد الأطباء النفسيون أنّ هناك نساء يتمتعن بعاطفة أمومية قوية حتى دون أن يصبحن أمهات، فنجد بينهنّ من تحنو على الآخرين، وتمنح الحنان والرعاية لكل من حولها. بينما توجد نساء أخريات، رغم إنجابهن، لا يشعرن بنفس الارتباط العميق بأطفالهن في المراحل الأولى، وقد يحتجن إلى دعم نفسي أو مجتمعي لاستعادة توازن المشاعر.
اللافت أنّ غريزة الأمومة ليست مرتبطة فقط بالإنجاب البيولوجي، بل هي قيمة إنسانية يمكن أن تتجلّى في أشكال مختلفة في الرعاية، والاحتواء، والحب غير المشروط. فكم من امرأة لم تُنجب جسديًا، لكنها أنجبت قلوبًا من حولها بالحنان والعطاء، وملأت فراغات كثيرة في حياة الآخرين.
من المنظور العلمي
أظهرت أبحاث علم الأعصاب الحديثة أنّ دماغ المرأة يتغيّر فعليًا بعد الولادة، حيث تنشط مناطق معينة مسؤولة عن العاطفة والانتباه واتخاذ القرار، مما يجعل الأم أكثر حساسية لبكاء طفلها وأكثر قدرة على تمييز احتياجاته حتى من دون كلمات. هذه التغيرات العصبية تُعدّ جزءًا من “برمجة الأمومة” التي تجعل الرابط بين الأم وطفلها فريدًا لا يمكن استنساخه.
من المنظور الديني
الإسلام كرّم الأم تكريمًا عظيمًا، ورفع من شأنها إلى أعلى المراتب، وجعل رضاها من رضا الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “الجنة تحت أقدام الأمهات.” وهذا يدل على أن غريزة الأمومة ليست فقط فطرة إنسانية، بل عبادة سامية تمثّل أسمى صور الرحمة والرعاية التي أرادها الله في الأرض.
غريزة الأمومة ليست قالبًا واحدًا، بل هي طيف واسع من المشاعر يتلوّن بتجارب المرأة وحياتها. قد تختلف من امرأة إلى أخرى في شدّتها أو شكلها، لكنها تظلّ علامة فارقة في طبيعة الأنثى، وسرًّا من أسرار الرحمة التي زرعها الله في قلبها، لتبقى هي النبع الأول للحياة، والدفء الأبدي الذي لا يخبو مهما تغيّر الزمن.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت


