Mrs. Doubtfire (1993)Director: Chris ColumbusCast: Robin Williams, Sally Field, Pierce Brosnan, Mara Wilson, Matthew Lawrence, Lisa Jakubبوابة السينما بين الممكن والمستحيل علاقة السينما بالحياة علاقة وطيدة، فهي ليست انعكاسًا مباشرًا للواقع بقدر ما هي بوابة واسعة بين الحقيقة والمستحيل. هذه البوابة قد تضيق عند البعض، لكنها تتسع عند آخرين إلى حدّ يجعل ما يُعرض على الشاشة امتدادًا لحياتهم اليومية. في هذه المساحة الرمادية تحديدًا، تولد الأفلام التي لا نكتفي بمشاهدتها، بل نعيش معها، ونشعر أن شخوصها أصدقاء، وأن حكاياتها تُروى من داخل بيوتنا. من بين هذه الأفلام يقف Mrs. Doubtfire بوصفه عملًا يلامس الحياة لا من سطحها، بل من مناطقها الأكثر هشاشة.يروي الفيلم حكاية دانيال، ممثل يمتلك خيالًا واسعًا وحسًّا طفوليًا يصطدم بواقع لا يرحم. هو أبٌ محب، لكنه غير قادر على الانضباط وفق القوالب المتوقعة، فيخسر زواجه، ثم يُدفع إلى هامش حياة أطفاله. هنا يصبح دانيال شبيهًا بفارسٍ قديم خرج إلى العالم بسلاحٍ لا يعترف به أحد. إن ما يفعله ليس تهورًا أعمى، بل إيمان عنيد بفكرة يرى الجميع أنها خاسرة. بهذا المعنى، فإن دانيال يحارب الطواحين وحده، تمامًا كما فعل( دون كيخوت) لا لأنه يجهل الواقع، بل لأنه يرفض أن يستسلم له.الإشارة إلى Don Quixote ليست تزيينية هنا، بل جوهرية. دون كيخوت لم يكن مجنونًا بقدر ما كان وحيدًا في معركته، يرى العالم كما يجب أن يكون لا كما هو. ودانيال يسير في الدرب ذاته: أبٌ يرى الأبوة حقًا مطلقًا، بينما يراها القانون ترتيبًا مشروطًا. كلاهما يقف أمام طواحين أكبر منه، يعلم في داخله أنه قد يُهزم، لكنه يندفع رغم ذلك، لأن التراجع يعني اختفاء المعنى.بعد طلاق مرير، لا يجد دانيال سبيلًا للبقاء قريبًا من أطفاله سوى التنكّر في هيئة السيدة داوتفاير، مدبرة منزل مسنّة، ليعود إلى البيت الذي أُغلق في وجهه قانونيًا وعاطفيًا. ما يبدو حيلة كوميدية، يتحول سريعًا إلى فعل يائس لرجل يخشى أن يُمحى من حياة أبنائه. التنكّر هنا ليس لعبة، بل درع دون كيخوتي أخير، هشّ وساخر، لكنه صادق.لم يكن اختيار روبن ويليامز لهذا الدور محض صدفة. لقد امتلك، على امتداد مسيرته، قدرة نادرة على أن يكون طفلًا ورجلًا في آن واحد. حين جسّد بيتر بان في Hook وهو في الأربعين، لم يكن يستعيد الطفولة بقدر ما كان يفضح فقدانها. وحين لعب دور رجل في جسد طفل في Jack، لم يكن يعرض البراءة، بل هشاشتها أمام عالمٍ لا ينتظر. هذه الازدواجية أن يكون ناضجًا ومكسورًا، مرحًا ومثقلًا في اللحظة نفسها هي ما جعل حضوره مألوفًا إلى هذا الحد، كصديق قديم نعرفه دون أن نلتقيه.مشاهدة أعمال ويليامز تترك انطباعًا يتجاوز الإعجاب الفني. هناك شعور دائم بأنه شخص يمكن أن يكون صديقًا، وأنه أطرف من على قيد الحياة لا لأن النكتة هدفه، بل لأنها وسيلته، والأهم أنه يمتلك قلبًا كبيرًا لا يعرف كيف يحمي نفسه إلا بالضحك. في Mrs. Doubtfire جمع كل هذه الصفات في شخصية واحدة، وأضاف إليها طبقة قاسية أبٌ مطلق يرتدي ملابس نسائية وتنورة منقوشة، لا ليضحكنا، بل ليبقى حاضرًا في حياة أطفاله.ورغم تصنيفه الشائع كفيلم كوميدي، فإن Mrs. Doubtfire بعيد عن الكوميديا بمعناها الخفيف. نعم، هناك لحظات مضحكة، وويليامز بارع إلى حدّ يجعلك تضحك رغماً عنك، لكن الموضوع في جوهره حزين ومقلق. الفيلم يرسم صورة دقيقة لقسوة الطلاق ونزاعات الحضانة، وللكيفية التي يمكن أن تدفع بها رجلًا محبًا إلى حافة الجنون. مشاهد المحكمة، على وجه الخصوص، تُفرغ العمل من أي وهم بالمرح فهي واقعية إلى حدّ خانق، تذكّر بأن الحقيقة لا تُقاس بالحب، بل بالملفات والأحكام.لا يمنح الفيلم نهاية سعيدة بالمعنى التقليدي، لأنه يرفض أن يكذب. الحياة، كما يقول ضمنيًا، لا تنصف دائمًا من يحب أكثر. أقصى ما يمكن بلوغه هو تسوية، استمرار، ومحاولة تأقلم مع خسارة لن تختفي. نأمل أن يرى أحدهم حقيقتنا القاضي، الشريك السابق، العالم لكن الأرجح ألا يحدث ذلك. ومع ذلك، لا خيار سوى المضي قدمًا.هنا تتجلى قوة الفيلم الحقيقية: في قدرته على أن يكون مؤلمًا ومضحكًا في الوقت نفسه، لا لأنهما متناقضان، بل لأنهما وجهان للتجربة الإنسانية ذاتها. Mrs. Doubtfire ليس فيلمًا عن التنكّر، بل عن فارس معاصر خاض معركته الأخيرة باسم الحب، وخسرها جزئيًا، لكنه خرج منها محتفظًا بشيء أثمن( المعنى). #مناف. #سينما العالم # مجلة ايليت فوتو ارت.


