عن الغضب- تأليف: لوكيوس أنايوس سينيكا- ترجمة: د. حمادة أحمد علييعرض سينيكا الغضب كحالة تفقد الإنسان اتزانه وتدفعه إلى أفعال تتجاوز الحكمة والعدل، ويؤسس لرؤية رواقية تجعل العقل معيار السلوك وضابط الانفعال. ينفتح الكتاب على تحليل نشأة الغضب وتدرّجه وسبل علاجه، في تداخل واضح بين الفلسفة وعلم النفس وملاحظات التاريخ والطبيعة الإنسانية.طبيعة الغضب وحدوده الفلسفيةيعرّف سينيكا الغضب بوصفه اندفاعًا عقليًا مختلًا يربك الحكم الرشيد ويشوّه الإدراك. يربط هذا الانفعال بفقدان السيطرة على النفس، ويبيّن أن شدّته قد تتضخم من أسباب ضئيلة، فتتجاوز حدود المعقول. يضع سينيكا الغضب ضمن الانفعالات التي تهدد جوهر الإنسان العاقل، ويجعل مواجهته واجبًا أخلاقيًا مرتبطًا بالسعي إلى الفضيلة والاستقامة.مراحل الغضب وتحوّلاتهيحلّل الكتاب الغضب عبر مساره الزمني منذ اللحظة الأولى إلى التمكّن الكامل. تبدأ المرحلة الأولى بإحساس مباغت يولد من تصور ذهني خاطئ، ثم ينتقل الغضب إلى مرحلة التنامي حيث يسيطر الانفعال على الإرادة، ويصل أخيرًا إلى مرحلة الفعل التي يتحول فيها إلى سلوك مؤذٍ. يركّز سينيكا على أهمية التدخل المبكر، لأن السيطرة تكون ممكنة في البدايات قبل أن يستولي الغضب على العقل.التمييز بين الغضب والغيظيفصل سينيكا بين الغضب كحالة عارمة تفقد الإنسان رشده، والغيظ بوصفه انفعالًا أخف وأقرب إلى رد الفعل العابر. يوضح أن الغضب يحمل طابعًا شاملًا يسيطر على النفس بكاملها، بينما الغيظ يظل محدود الأثر. يكشف هذا التمييز عن دقة التحليل الرواقي للانفعالات، وعن فهم نفسي عميق للفروق بين الحالات الشعورية والسِمات المستقرة في الشخصية.العقل والفضيلة في مواجهة الغضبيؤكد الكتاب مركزية العقل في تهذيب النفس وضبط الانفعالات. يربط سينيكا بين السيطرة على الغضب وتحقيق الفضيلة، ويجعل العقل الحكم الأعلى في توجيه السلوك. يرى أن التأديب والإصلاح يكتسبان مشروعيتهما حين يصدران عن حكم عقلاني متزن، لأن الغاية الأخلاقية تتحقق بالوعي لا بالاندفاع. تبرز الفلسفة الرواقية هنا كمنهج عملي للحياة، قائم على التمرين اليومي للنفس.علاج الغضب وتهذيب النفسيعرض سينيكا جملة من الأساليب العملية لعلاج الغضب، تبدأ بمراقبة الأفكار التي تولّده، وتمرّ بتأجيل الاستجابة والانصراف المؤقت عن المثيرات، وتنتهي بتدريب النفس على الصبر والحِلم. يربط العلاج بالإرادة والمثابرة، ويؤكد قدرة الإنسان على ترويض طبيعته عبر العادة والوعي. يتحول ضبط الغضب في هذا السياق إلى مسار تربوي طويل يعزز الانسجام الداخلي والعلاقة السليمة مع الآخرين.خلاصة ختاميةيقدّم «عن الغضب» رؤية أخلاقية متماسكة تجعل السيطرة على الانفعال شرطًا للحرية الداخلية والحياة المتزنة. يرسّخ سينيكا فكرة أن الغضب قابل للتهذيب عبر العقل والفضيلة، وأن الإنسان يملك القدرة على إعادة تشكيل استجاباته الشعورية. يظل الكتاب نصًا حيًا يتجاوز سياقه التاريخي، ويخاطب إنسان العصر الحديث في زمن التوتر والصدام، بدعوة واضحة إلى الاتزان والحكمة.#سالم يفوت#مجلة ايليت فوتو ارت.


