بيلا تار: سينما الزمن البطيء والإحساس بالمكان
جورج كعدي
رحل في السادس من يناير/ كانون الثاني الحالي السينمائي المجريّ الكبير بيلا تار/ Bela Tarr عن عمر سبعين عامًا، تاركًا إرثًا سينمائيًا فريدًا من تسعة أفلام روائية طويلة، وبعضها فائق الطول مثل فيلمه “ساتانتانغو” ذي الساعات السبع، فما أَبَهَ يومًا لطول أفلامه، أو مدتها العادية، إذ يشبّه الفيلم بالتعبير الكلاميّ: “إذا كان عليّ قول جملة صغيرة أقول جملة صغيرة، وإذا أردت قول جملة طويلة فإنّ عليّ النطق بجملة طويلة”، يقول مؤكدًا “أنّ السينما تختبر قدرتنا على التركيز”.حضور بيلا تار خاص وبارز في السينما المعاصرة، وغالبًا ما يُنظر إليه على أنه النموذج الأمثل للسينما البطيئة. أنجز بين عامي 1979 و2011 (سنة اعتزاله) تسعة أفلام طويلة يمكن تصنيفها ضمن فترتين متميزتين، أولاها تضمّ أعماله الباكرة: “عش العائلة” (1979) و”الخارج على القانون” (1981) و”الناس الجاهزون” (1982) و”روزنامة الخريف” (1984). والمرحلة الثانية تشمل أعماله الأكثر شهرة عالميًا: “اللعنة” (1988)، و”ساتانتانغو”، أو “تانغو الشيطان” (1994)، و”تناغمات تركمايستر” (2000)، و”رجل من لندن” (2007)، و”حصان تورينو” (2011) فيلمه الأخير. وتعكس أفلام المرحلة الثانية تحوّله من الواقعية الاشتراكية إلى الإيقاع البطيء، التأمّليّ والآسر. وقد تركت سينماه أثرها في سينمائيين من مختلف الجنسيات، مثل الأميركي غاس فان سانت، والمكسيكي كارلوس ريغاداس، والسويدي روبن أوسلوند، وآخرين. واحتلّ مكانة أساسية في الفكر السينمائي الحديث ووُضعت مؤلفات تحليلية ونقدية عديدة حول أفلامه، وبينها كتاب قيّم للفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير بعنوان: “بيلا تار، زمن الما بعد”.لقطة من فيلم “اللعنة”تُعدّ اللقطات الطويلة التي اعتمدها بيلا تار أمثلة أيقونية عن أسلوبه السينمائيّ المميّز ذي الحركة البطيئة. فعلى سبيل المثال، ثمة في فيلم “لعنة” عدة لقطات طويلة لافتة تظهر الشخصية الرئيسية (كارير) سائرًا في شوارع وطرقات مهجورة غارقة بالمطر. مع مجرّد تحرّكه في المكان تتلاشى المعلومات السردية البسيطة أمام الجوّ الذي تخلقه حركة الكاميرا البطيئة والمتأنية، بين الجدران المحيطة ذات الملمس الخشن. وثمة لقطات مماثلة في فيلم “رجل من لندن” حيث تركز لقطة طويلة من نحو ست دقائق على شخصية “مالوين” عند رصيف الميناء، مؤطرة على خلفية المياه العكرة والأضواء البعيدة، لتدلّ على عزلته وثقل المكان، فتركيز بيلا تار على ملمس المكان (الخشب المتصدع والمصابيح الخافتة) يجعل البيئة المادية شخصية بحد ذاتها. كذلك اللقطة الافتتاحية لفيلم “تناغمات فركمايستر” التي تمتد عشر دقائق مضفية طابعًا تجريبيًا على المكان على حساب حيوية السرد. تتبع الكاميرا شخصية “يانوش” مصمّمًا رقصة لمجموعة من القرويين السكارى داخل حانة خافتة الإضاءة، فتولّد حركة الكاميرا السلسة والموصولة الإيقاع جوًا آسرًا مشهديًا عوض دفع القصة قدمًا.بسبب لقطاته الطويلة، يربط المنظّرون سينما بيلا تار بمفهوم “الصورة ـ الزمن” الذي أرساه الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز ووضع تصوّره لشرح التحوّل النموذجيّ الذي أحدثته الواقعية الجديدة الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية. معها تغدو التجارب المكانية أكثر أهمية وتستحوذ على كامل المساحة التعبيرية وتحلّ مكان الفعل. رصد دولوز البوادر الأولى لسينما الصورة الزمنية، وأدرك أن أولويات صناعة الأفلام في فترة ما بين الحربين العالميتين كانت تتغير، إذ حلّت الرغبة في التقاط التجربة السمعية ـ البصرية المباشرة للزمان والمكان محلّ التركيز سابقًا على سرد القصص والمونتاج الكثيف. أضحى الزمن مدة عيش، كما في “سارق الدراجة” و”أمبرتو دي” لفيتوريو دي سيكا و”ألمانيا السنة صفر” لروبرتو روسليني.لقطة من فيلم “حصان تورينو”كان جاك رانسيير من أوائل المنظّرين الذين ربطوا المعالجة الفريدة للفضاءات المعمارية في أفلام بيلا تار بمفهوم دولوز للصورة ـ الزمن، ملاحظًا أن العناصر المعمارية كالأبواب والنوافذ لم تبقَ مع المخرج المجري مجرد أدوات “لتقديم الممثلين” بل اكتسبت استقلاليتها لتصبح “عتبات يدخل الخارج إلى الداخل من خلالها”. الملاحظة نفسها تسري على أفلام المخرجين أندريه تاركوفسكي وثيو أنغيلوبولوس وألكسندر سوكوروف وآخرين. لكن بيلا تار يتفوق على هؤلاء جميعًا في امتحان صبر المشاهد، بحيث يبدو حالة استثنائية بلا مثيل بين السينمائيين. “ماراثوناته” من اللقطات الطويلة تغيب فيها العناصر السردية التقليدية كالذروة أو الصراع في المعنى المألوف. اللقطات الطويلة تتيح وقتًا كافيًا للتفاعل مع أجواء المشاهد وفضاءاتها. يستجيب بيلا تار لنظرية الناقد الفرنسي الكبير أندريه بازان الذي كان ضدّ تقسيم الحركة بالمونتاج، ما يؤدي إلى تحطّم إحساسنا بالمكان والزمان معًا. ولا يحب بيلا تار السينما الهوليوودية الكلاسيكية إذ يعدّها زائفة. يقول إنه لا يقدم قصة بل يقدم حياةً في أفلامه. الفيلم بالنسبة إليه صورة وصوت والكثير من المشاعر، أما القصة فهي غلاف لكل ذلك.لقطة من فيلم “ساتانتانغو”يصغي بيلا تار إلى العالم. يملك كمخرج إنسانيّ احترامًا عميقًا للإنسان، في الحياة وفي السينما على حد سواء. نظرته إلى العالم، وإن قاتمة ودومًا بالأبيض والأسود، إلا أنّها تنبع من شعور عميق بالقرب من الناس. يؤكد على بساطة أفلامه ويرفض التفسيرات الواسعة والرمزية والفلسفية لها، فالفلسفة والسينما في يقينه لغتان مختلفتان، ففي السينما يتمّ التعامل مع المواقف الحقيقية النابضة بالحياة، أي مع البشر، بينما لديك في الفلسفة كلمات، كلمات، كلمات، بحسب تعبيره. تهمّه في أفلامه حياة الناس القاسية أكثر من التأملات الفلسفية، والتفسير والتحليل ليسا من اختصاصه، يقول، بل من اختصاص الناقد. ويفترق بذلك عن تاركوفسكي المتديّن والمؤمن واصفًا نفسه بأنه “مجرد ملحد بسيط لا يؤمن بالله”. الفن الحقيقي لبيلا تار هو تصوير الظروف والعلاقات الإنسانية الحقيقية.كان بيلا تار يخال في شبابه أن السينما تغير العالم، بيد أنه أدرك لاحقًا أنه لا يستطيع تغيير العالم بفيلم، ومع ذلك، لو كان الفيلم جزءًا من العالم فإنه قادر على أن يغيّر جزءًا صغيرًا منه. وحين وصف أحدهم أفلامه بالمتشائمة أجابه: “أخبرني، هل شعرت بعد الفيلم بالقوة أم بالضعف؟”. يريد بيلا تار أن يهزّ المشاهد بأفلامه، أن “يضربه ويركله” بحسب تعبيره، أي أن يوقظ وعيه ومشاعره ويفتح عينيه على حزن العالم وعلى الناس الذين يكافحون بعناد عبر السهول الشاسعة التي تعصف بها الرياح، كما في أفلامه. منذ البداية أخذ بيلا تار جانب الطبقة العاملة والفقراء. فالأمر برمّته كونيّ وليس اجتماعيًا أو وجوديًا فقط. أما المناظر الطبيعية، الرائعة والقاتمة، في أفلامه فهي متحدة بالبشر، مستلهمًا لوحات بروغل وكارافاجيو وفرمير وفان غوخ. سرده المشهديّ مليء بالسخرية والكوميديا والشجارات والشهوات الحسية والإشارات الفنية، والجماليات لديه ذات وظيفة وتلاحظ بقوة، علمًا أن أفلامه تستغرق سنوات من التحضير والإنتاج والتصوير الصعب والدقيق، فهو متطلب تقنيًا ويرفض تصوير أفلامه بالتقنيات الحديثة (الفيديو الرقمي أو الديجيتال) لأنها لا ترضيه مثلما لا يرضيه التصوير بالألوان “التي اخترعت للمخرجين الذين لا يعرفون كيفية استخدام المساحة والضوء لخلق جو معين”، وفق تعبيره، مضيفًا: “إني لا أستخدم الكاميرات الرقمية ولا تعجبني دقة صورها، فهي لا تعطي الإحساس بالملمس والصورة الحبيبية التي أحصل عليها من شريط 35 ملم الخام”. خامة الصورة السينمائية تؤثر في شكل حاسم على التجربة المكانية، فهي وحدها قادرة على التقاط حبيبات/ Pixels الخشب وتجاعيد الجدران. تشغل الخامة الخشنة للجدار اهتمامًا جوهريًا لدى بيلا تار بسبب ارتباطها بالزمن وبوجوه الناس في أفلامه، كما في “اللعنة” حيث تتأرجح الكاميرا بين الجدار ووجوه البشر على نحو دوريّ.”ما يميّز عالم هذا المخرج الفذّ هو تعامله مع الزمن… الزمن “الموحّد” هو زمن شخوصه الغارقة في حاضر بلا حدود، بلا ماضٍ أو مستقبل، معلقة في حالة انتظار”يكتسب المكان مكانة مساوية للوجوه، وتعامل الشقوق والتجاعيد عليه كما لو كانت بالأهمية نفسها لتعبير الوجه في اللقطات المقرّبة. يصبح الإنسان وفضاؤه كيانًا واحدًا. لبيلا تار قول مثير في هذا الصدد: “هل يمكنك تجاهل ملمس جدران حجر الخفّان (الطوب) وأنت تسير في الشارع؟ لهذا السبب، لا تستطيع الكاميرا لديّ تجاهله أيضًا. الملمس هو العنصر المفقود في السينما المعاصرة الرديئة. إننا محاطون بأشياء صغيرة مؤثرة، لكن ويا للأسف، توضع بعيدًا عن عدسة الكاميرا. إن الكاميرا والشاشة هما أفضل الوسائل التي تسعفنا في تكبير الأشياء الصغيرة التي نغفل عنها وإبرازها وتكبيرها، كجمال الملمس. الملمس هو ما يمنح المواد هويتها، ويفعل الأمر نفسه مع الصور”.تهتمّ سينما بيلا تار بالزمان أيضًا قدر اهتمامها بالمكان، فما يميّز عالم هذا المخرج الفذّ هو تعامله مع الزمن، وبالأخص ذاك الذي تتيح لنا أفلامه أن نختبره. الزمن “الموحّد” هو زمن شخوصه الغارقة في حاضر بلا حدود، بلا ماضٍ أو مستقبل، معلقة في حالة انتظار. إنها رؤية متشائمة لحركة التاريخ التي لا تتحرّك بالنسبة إلى بيلا تار الذي لا يستسلم للأوهام، والحاضر لديه متخلف عن المستقبل، لذا لا يحدث شيء لناس أفلامه العالقين في اللحظة الراهنة بلا ماضٍ وبلا مستقبل. لا يقدم موقف بيلا تار التجريبي “رؤية شاملة للعالم” بل يقدم تفكيكًا لما نسمّيه العالم. تنبع القوة الحسية في سينماه من محاولته التقاط التنوّع اللامتناهي للإيقاعات والأزمنة، واستكشاف جوهر الوجوه وكثافة الأجساد ونسيج المكان والأشياء. يصوّر الحياة كـ “بيئة” تتدفق فيها الطاقات وتُمارس فيها القوى وتُثار فيها الديناميكيات وتظهر فيها نقاط المقاومة. ناس أفلامه (وهم ليسوا ممثلين محترفين) يكافحون بعناد ضدّ كآبة الوجود، في مشاهد خانقة، وقصص غامضة تهب إحساسًا بالهلاك الوشيك. فيلمه الأخير “حصان تورينو” مستلهم من قصة نيتشه يوم رأى حصانًا يُضرب في ساحة تورينو بعنف على يد مالكه فتملّكه ألم شديد من المشهد واقترب من الحصان ليلمسه بحنان وتعاطف، وتروي الحكاية أنّ نيتشه تفاقمت حالته العصبية منذ تلك اللحظة. غير أن بيلا تار لا يصنع فيلمًا فلسفيًا عن نيتشه بل عن الوجود نفسه، وأبعد عن الكون، ويشغله مصير الحصان أكثر من مصير نيتشه، فماذا حصل بعدئذٍ لحصان تورينو؟*
#جورج كعيدي ناقد وأستاذ جامعي من لبنان..#ضفة ثالثة # الشرق الاوسط #مجلة ايليت فوتو ارت.


