بعد يومين من هزيمة حزيران 1967، نُسب تصريح لإبراهيم ماخوس، وزير الخارجية السوري آنذاك، قال فيه:
“لقد صمدنا في حرب حزيران لأننا أفشلنا مخططات العدو الإسرائيلي في إسقاط الحكم التقدمي في سوريا”.
ظلت هذه الكلمات حاضرة في الذاكرة السورية، والتقطها محمد الماغوط ليضعها في قالب كوميدي ساخر ضمن مسرحيته «ضيعة تشرين». ففي أحد المشاهد يقترب أحد رجال المختار (ياسر العظمة) من أذن المختار (نهاد قلعي) ويقول له همساً:
“لقد انتصرنا بدليل أنك حي ولساتك مختار الضيعة، وكنت أنت المستهدف من الحرامي”.
فيرد قلعي:
“ولكن برأيك ما بتتخن هيك؟”
ثم يخاطب أهل الضيعة المحتشدين:
“تفضلوا مفاجأة وطنية… نحنا منتصرين ومانا حاسين”.
يسأله أحد أبناء القرية (أسامة الروماني):
“نحنا منتصرين؟!!”
فيرد المختار:
“أي أي… لأن الحرامي ما كان هدفه الكرم ولا الضيعة ولا البيادر، كان هدفه الوحيد يشيلني من المخترة وما قدر… لذلك هو المهزوم ونحن المنتصرون… ولاه… يلعنك”.
في مثل هذا اليوم من عام 1974 كان العرض الأول لمسرحية «ضيعة تشرين» على مدرج اتحاد نقابات العمال بدمشق. المسرحية كتبها الراحل محمد الماغوط، وشارك فيها نخبة من الممثلين السوريين، منهم: نهاد قلعي، دريد لحام، عمر حجو، أسامة الروماني، ياسر العظمة، عبد السلام الطيب، شاكر بريخان، حسام تحسين بك، وصباح الجزائري.
يقول عدنان أبو عودة، رئيس الديوان الملكي الهاشمي في ذلك الوقت، إنه في تشرين الثاني 1974 عُرضت المسرحية في قصر الثقافة بعمان، وكانت ردود فعل الجمهور لافتة، خصوصاً في المشاهد ذات الدلالات السياسية. ومن أكثر المقاطع التي أثارت التصفيق حين أراد مختار القرية أن يستجيب لمطالب الناس بالتغيير، فاكتفى بتبديل المناصب: جعل رئيس الطابو وزيراً للمالية، ووزير المالية رئيساً للطابو. يقول أبو عودة إن الناس صفقوا وكأنهم يدينون حكومات لا تغيّر سوى الطرابيش.
لم تخلُ المسرحية من الرسائل السياسية الساخرة التي تعكس الواقع، ومنها قول المختار:
“اذبح البقرة علشان ينشغلوا عن قضيتهم الأساسية، وهي سرقة الكرم”.
بعد نجاح «ضيعة تشرين» عاد الماغوط برفقة فريق العمل ذاته مع الثنائي نهاد قلعي ودريد لحام ليقدّموا «مسرحية غربة». وخلال فترة العروض تعرّض نهاد قلعي لاعتداء في أحد النوادي العائلية إثر مشادة كلامية مع أحد المتنفذين وكان بحالة سكر. الضربة التي وُجّهت إليه بكرسي حديدي على الرأس أدت إلى خثرة دموية تسببت له بحالة من الشلل، غيّرت طريقة نطقه وأثرت على حركة يده ومشيته، ما أدى إلى إيقاف عرض المسرحية لعدة أيام، واستُبدل لفترة مؤقتة بالفنان تيسير السعدي قبل أن يعاود العمل بملامح مرضية ظاهرة.
استعرضت المسرحية المرحلة التي سبقت حرب تشرين، وقدّمتها في قالب كوميدي تنفيسي امتزجت فيه الأغاني بالسخرية السياسية والحوارات التي لمزت، بذكاء، واقع الحكم وعدداً من الاتجاهات العربية السائدة في تلك المرحلة التي سبقت وصول الأب النظام البائد إلى الرئاسة.
ضحك الناس على أوجاعهم، وابتلعوا واقعهم المرير عبر الكوميديا السوداء. سخروا من الشعارات الكبيرة، لكن خلف تلك الضحكات كانت تختبئ مرارة الهزيمة، والفقر، والبيروقراطية، والخوف، والإحساس العميق بالعجز الاجتماعي والسياسي. وعلى هذا النحو مضت لاحقاً معظم أعمال محمد الماغوط المسرحية؛ ضحكٌ كثيف يخفي وراءه قدراً كبيراً من الخيبة والأسئلة المؤجلة.
……………………………….
“عند النقل يرجى ذكر المصادر “
من مدونة : علاء الدين تلجيبني
صفحة The_past_of_Syria#
الصورة من #سوريات_Souriat


