اعتاد الإنسان أن ينظر إلى الرياح الصحراوية، أو ما يُعرف بالعجاج، بوصفها ظاهرة مزعجة لا تحمل سوى الغبار والضيق، خصوصًا تلك التي تنطلق من قلب الصحراء الكبرى، فتلوّن السماء بلونٍ باهت وتترك آثارها على البيوت والطرق. غير أن هذه الصورة السطحية تخفي وراءها قصة بيئية أعقد وأكثر إدهاشًا.
ذلك الغبار الذي يبدو عديم القيمة هو في حقيقته شحنة هائلة من المعادن والعناصر الغذائية الدقيقة، تسافر عبر القارات والمحيطات، لتربط شمال إفريقيا بأوروبا وأمريكا الجنوبية في شبكة طبيعية غير مرئية. فالمحيطات المفتوحة تعاني عادةً من نقص حاد في عناصر أساسية مثل الحديد، وهو عنصر لا غنى عنه لنمو العوالق النباتية، الكائنات المجهرية التي تُعد حجر الأساس في السلسلة الغذائية البحرية.
عندما يصل الغبار الصحراوي إلى سطح المحيط، يطلق ما يحمله من حديد وفوسفور، فيتحول إلى سماد طبيعي واسع النطاق، يعزز ازدهار العوالق النباتية. هذه الكائنات بدورها تمتص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وحين تموت تغوص إلى الأعماق، حابسةً الكربون لآلاف السنين فيما يُعرف بمضخة الكربون البيولوجية، إحدى أهم الآليات الطبيعية للتخفيف من تغير المناخ.
ولا يقتصر أثر هذا الغبار على المحيطات فحسب، فأوروبا أيضًا تستقبل نصيبها من هذا العطاء الصحراوي. إذ يحمل الغبار عناصر قلوية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم، تسهم في تحسين خصوبة التربة، لا سيما في المناطق الجنوبية والشرقية من القارة. وتشير التقديرات إلى أن هذا الغبار قد يوفر نسبة معتبرة من المدخلات الغذائية الطبيعية، داعمًا الغابات والأنظمة الزراعية، ومقللًا الاعتماد على الأسمدة الصناعية.
حتى في الغلاف الجوي، لا يمر الغبار دون تأثير، فجزيئاته قادرة على تشتيت وامتصاص جزء من الإشعاع الشمسي، مما قد يؤدي إلى تبريد مؤقت لسطح الأرض، خاصة خلال فترات الحر الشديد.
وتمتد هذه الدورة المدهشة إلى غابات الأمازون، حيث يعوض الفوسفور المحمول من الصحراء ما تفقده التربة بفعل الأمطار الغزيرة، في مثال واضح على الترابط العميق بين أنظمة الأرض. هكذا يتبين أن ما يبدو فوضى مزعجة في نظر الإنسان، ليس سوى حلقة ضرورية في توازن دقيق تقوم عليه الحياة على كوكبنا.
#مجلة إيليلت فوتو آرت


