سوريات في المهجر
مرح البقاعي…. رحلة امرأة استثنائية
امرأةٌ حملت دمشقَ في قلبها وعقلها، وعبرت بها إلى واشنطن، لتصبح صوتاً سورياً لا يُشبه إلا نفسه.
مرح البقاعي الباحثة والمستشارة السياسية والشاعرة، ابنةُ حي القنوات العريق التي تربّت على مقاعد راهبات الفرنسيسكان، فتشبّعت بتلك الروح الدمشقية الفريدة التي لا ترى تعارضاً بين الأجراس والمآذن، بين المسيحية والإسلام. حملت هذه الرؤية معها إلى المنفى، وجعلتها أساساً لعملها الدبلوماسي في وزارة الخارجية الأميركية، حيث ألفت برامجَ تُدرِّس الدبلوماسيين كيفية فهم الشرق، وأسست في واشنطن مراكزَ ومنصاتٍ دافعت من خلالها عن حلم الدولة المدنية في سوريا.
لم تكن مجرد أكاديمية باردة، بل كانت شاعرة تكتب “وجه النار الآخر”، وباحثة تضع ملفات مكافحة الإرهاب في مفاوضات جنيف، وناشطة تمسك بيد اللاجئين عبر برامج اليونيسيف. هي تلك السيدة التي اختيرت بين أكثر عشر نساء تأثيراً في الشرق الأوسط، والتي نالت التقدير الرسمي من الخارجية الأميركية، لكنها بقيت وفية لذاك المشهد الدمشقي القديم: مشهد الصليب المتشابك مع الهلال على أسطح الحارات الضيقة، مشهد الطفولة الذي لا يغادرها، والذي ترويه في كل مقال وفي كل قصيدة.
لم تكن جوائزها مجرد أوسمة تُعلّق على صدرها، بل كانت اعترافاً عالمياً بمسيرة امرأة آمنت بأن العقل والضمير معاً يمكنهما تغيير مصائر الشعوب.
في العام 2012، وقفت مرح البقاعي لتتسلم “الجائزة التقديرية لوزارة الخارجية الأميركية”، بعد أن أمضت سنوات في أكاديمية الدبلوماسيين تصوغ برامجَ ومناهج دراسية تعلم الدبلوماسيين الأميركيين المتوجهين إلى الشرق الأوسط كيف يقتربون من ثقافات المنطقة بعينٍ ترى ولا تحكم، وقلبٍ يفهم ولا يصطدم. لم تكن تكتب نظرياتٍ باردة، بل كانت تزرع جسوراً بين عالمها القديم وعالمها الجديد.
وفي العام ذاته، وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، كانت مؤسسة الأهرام العريقة في مصر تعلن اسمها في المرتبة الخامسة بين “أكثر عشر سيدات عربيات تأثيراً في الشرق الأوسط”. انتخاب جاء من صناديق الاقتراع لا من لجان مغلقة، ليؤكد أن صوتها الذي انطلق من منافي واشنطن ظلّ يتردد في أوطانها الأولى.
لكن الجوائز الأكثر صدقاً في قلبها، ربما كانت تلك التي حملت رائحة الخيم الباردة وأوجاع الأطفال السوريين. ففي العام 2015، وبينما كانت الحرب تشرد الملايين، تسلمت جائزتين متتاليتين: الأولى من منظمة اليونيسيف، والثانية من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تقديراً لإشرافها على برامج إغاثية لم تكن مجرد أرقام في تقارير، بل كانت خيماً دافئة ومياهاً نقية وأكياس طحين تصل إلى أيادي الأمهات في مخيمات الشتاء البارد.
وأنتم تقرؤون هذه السطور، تعلمون أنها لم تكن مجرد منسقة أو مديرة تنفيذية في مؤسسة الخياط للدعم الإنساني، بل كانت أماً سورية بعيدة تحاول أن تصل بقلبها إلى أطفال بلدها، حيث لا تصل يداها.
هكذا هي مرح البقاعي: دمشقيةٌ تقاوم بالكلمة والمنهج والخيمة الدافئة، وتحصد جوائز العالم وهي تحلم بسوريا التي كانت، والتي تستحق أن تعود.
سوريات_souriat


