فيزياء الأعماق: الهندسة الصوتية المعقدة لدى الحيتان والدلافين:في البيئات البحرية العميقة، حيث تمتص جزيئات الماء الطيف الضوئي وتتلاشى الموجات الكهرومغناطيسية بسرعة هائلة، يصبح البصر حاسة ثانوية محدودة الجدوى فيزيائياً. ولمواجهة هذا الظلام الدامس، طورت رتبة الحيتان المسننة -التي تشمل الدلافين وحيتان العنبر- نظاماً فيزيائياً معقداً يُعرف بتحديد الموقع بالصدى، وهو عملية تتجاوز مفهوم السمع التقليدي لتتحول إلى مسح طيفي نشط يعتمد على توليد حزم من الطاقة الميكانيكية، وتوجيهها بدقة، ثم تحليل ارتداداتها بآليات تحاكي وتتفوق على أعقد أنظمة السونار والرادارات العسكرية.تبدأ الدورة الفيزيائية لهذه العملية في تجاويف الأنف تحت الفتحة التنفسية، حيث تتجلى كفاءة تحويل الطاقة؛ إذ يقوم الدلفين بضغط الهواء وتمريره بقوة عبر هياكل نسيجية متخصصة تسمى “الشفاه الصوتية”، مستغنياً بذلك عن الحبال الصوتية التقليدية. يؤدي هذا الضغط الهوائي إلى اهتزاز الشفاه بسرعات عالية جداً مولداً نبضات صوتية قصيرة ذات نطاق تردد عريض يمتد غالباً في النطاق فوق الصوتي. وتكمن الضرورة الفيزيائية لهذه الترددات العالية -التي قد تتجاوز 150 كيلو هرتز- في العلاقة العكسية بين التردد والطول الموجي؛ فكلما زاد تردد الموجة قصر طولها الموجي، مما يسمح للموجات بالارتداد عن الأجسام الصغيرة وتشكيل صور ذات دقة تباين عالية، وهو أمر مستحيل فيزيائياً باستخدام الموجات الطويلة التي قد تتجاوز الأجسام الصغيرة دون أن ترتد عنها.ومع توليد الصوت، يبرز التحدي الفيزيائي الأكبر المتمثل في طبيعة انتشار الصوت في الماء الذي يميل للتشتت في جميع الاتجاهات، ولحل هذه المعضلة، يمتلك الدلفين في مقدمة رأسه عضواً دهنياً فريداً يُعرف بـ “البطيخة”، يعمل عمل العدسة الصوتية المتقنة. تتكون هذه العدسة البيولوجية من طبقات دهنية ذات كثافات وسرعات صوتية متفاوتة تترتب هندسياً بحيث تكون سرعة الصوت في القلب أبطأ منها في الأطراف، وطبقاً لقانون “سنيل” للانكسار، يؤدي هذا التدرج في السرعة إلى انحناء الموجات الصوتية نحو المركز، مما يجمع الطاقة الصوتية المشتتة ويركزها في شعاع ضيق ومكثف ينطلق أمام الدلفين مباشرة، محققاً بذلك مبدأ “تطابق المعاوقة الصوتية” بين أنسجة الجسم وماء البحر لضمان انتقال الطاقة بكفاءة قصوى دون انعكاسات داخلية.بمجرد انطلاق الحزمة الصوتية في الوسط المائي بسرعة تقارب 1500 متر في الثانية، تخضع لقوانين الانتشار والامتصاص، وهنا يظهر تباين استراتيجي بين الأنواع؛ فالدلافين تعتمد على الترددات العالية جداً للحصول على دقة تصوير فائقة تمكنها من رصد الأسماك الصغيرة، وإن كان ذلك على حساب المدى نظراً لأن الترددات العالية تتخامد وتُمتص طاقاتها بسرعة في الماء. في المقابل، تستخدم حيتان العنبر ترددات أقل وطولاً موجياً أكبر، مما يسمح لموجاتها بمقاومة الامتصاص وقطع مسافات هائلة في الأعماق السحيقة للبحث عن الحبار العملاق، مضحية ببعض دقة التفاصيل مقابل المدى البعيد، في تطبيق حي لمبدأ المقايضة الفيزيائية بين الدقة والمدى.تكتمل هذه المنظومة الفيزيائية عند مرحلة الاستقبال، حيث تواجه الكائنات البحرية مشكلة عدم كفاءة الأذن الخارجية المملوءة بالهواء تحت الماء بسبب عدم تطابق المعاوقة الصوتية. ولتجاوز ذلك، طورت هذه الكائنات فكاً سفلياً مجوفاً يعمل كهوائي استقبال متطور أو “موجه موجي”، حيث يمتلئ بدهون صوتية خاصة تلتقط الاهتزازات الدقيقة من الماء وتنقلها مباشرة عبر العظم إلى الأذن الداخلية المعزولة صوتياً عن الجمجمة. هذا العزل ضروري لمنع التشويش وتحديد اتجاه الصوت بدقة متناهية، مما يسمح للدماغ بتحليل الفارق الزمني بين الإرسال والاستقبال لحساب المسافة بدقة مليمترية، ورصد انزياح تردد الصدى وفقاً لظاهرة “دوبلر” لتحديد سرعة واتجاه حركة الفريسة، بل وتحليل البصمة الطيفية للمواد لمعرفة كثافة وتكوين الهدف، مما يجعل الدلفين مختبراً فيزيائياً عائماً يرى العالم بأذنيه.حسن عبدالله مدريد # مجلة العلوم البحرية – أسبانيا# مجلة ايليت فوتو ارت


