حين كانت السنابل تُنسج فناً أطباق القش السورية ذاكرة بيتٍ لا يشيخ دمشق- فينيقيا التشكيلية في الأزقة الهادئة لقرى حلب وحماة ودير الزور، لا تزال رائحة القمح اليابس تحمل حكايات زمنٍ كان فيه كل شيء يُصنع باليد، ويُبارك بالصبر. هناك، وُلدت حرفة أطباق القش، لا كصناعة عابرة، بل كامتدادٍ طبيعي لدورة الحياة الزراعية، حيث تتحول سنابل القمح بعد حصادها إلى أدواتٍ تنبض بالجمال والوظيفة.لم يكن القش يومًا مادةً مهملة في الريف السوري، بل كان جزءًا من اقتصاد منزلي متكامل، تعيد من خلاله النساء تشكيل الطبيعة بما يلائم احتياجاتهن اليومية. ومع بداية كل موسم حصاد، كانت الأيدي الخبيرة تختار أعواد القش بعناية، تُنظفها وتُجففها تحت شمس الصيف، قبل أن تُروّى بالماء لتلين، وتبدأ رحلة التحوّل من ساقٍ صامتة إلى طبقٍ يروي قصة.تجلس النسوة في حلقاتٍ دافئة، تتداخل فيها الحكايات مع حركات الأصابع، في مشهدٍ أقرب إلى طقسٍ اجتماعي منه إلى عملٍ يدوي. تُلفّ الأعواد بشكل دائري متناسق، وتُخاط بخيوط قطنية أو صوفية، فيما تتسلل الألوان الطبيعية لتزيّن الحواف بنقوشٍ هندسية ونباتية، تعكس روح البيئة السورية وذائقتها البصرية.ولم تكن هذه الأطباق مجرد زينة، بل شكّلت جزءًا أصيلًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ حاضرة على موائد الخبز، وفي تخزين الحبوب، وحتى في المناسبات، حيث كانت تُهدى كرمزٍ للبركة والمهارة. لقد حملت هذه القطع البسيطة وظيفة مزدوجة: خدمة البيت، وحفظ الهوية.اليوم، وبينما تتراجع الحرف التقليدية أمام زحف الصناعات الحديثة، تقف أطباق القش كشاهدٍ حي على ذاكرةٍ لم تنطفئ. صحيح أن حضورها تقلّص، إلا أنها استعادت بعض وهجها عبر المعارض التراثية ومبادرات إحياء الحرف اليدوية، لتتحول من أداةٍ يومية إلى قطعة فنية تُزيّن البيوت وتستدعي الحنين.إن صناعة أطباق القش ليست مجرد موروثٍ شعبي، بل هي قصة إنسانٍ مع الأرض، وحوارٌ صامت بين اليد والطبيعة. وفي كل خيطٍ يُشدّ، وكل دائرةٍ تُنسج، تنبض حكاية بيتٍ سوريٍ قديم، ما زال يقاوم النسيان………………………………..المصادر:• دراسات في التراث الشعبي السوري• تقارير عن الحرف التقليدية في سوريا (الهيئة العامة السورية للكتاب)• مواد توثيقية عن الصناعات اليدوية في سوريا (منظمات ثقافية محلية)تحرير #سوريات_Souriat#مجلة ايليت فوتو ارت..


