التنافر المعرفي: صراع الهوية بين الموروث والمكتسب… جوهر التنافر المعرفيالتنافر المعرفي ليس مجرد “إزعاج نفسي” عابر – إنه زلزال وجودي يهز أركان هوية الإنسان. يعرفه علم النفس بأنه حالة من التوتر والقلق الناتجة عن وجود معتقدين أو سلوكين أو مواقف متناقضة في الذات الواحدة في الوقت نفسه. لكن الفلسفة تتعمق أكثر: إنه صدام بين “ما أنا عليه” و”ما أكتشف أنه حقيقي”.لماذا يكون أقسى على أصحاب المعرفة الموروثة؟1. المعتقد الموروث ليس فكرة – إنه هوية· المعرفة المُورَثة تُزرع في مرحلة الطفولة المبكرة، قبل تكوين الآليات النقدية· تتحول من “معتقدات” إلى “حقائق بديهية” تشكل البنية التحتية للوعي· الهجوم عليها ليس هجوماً على فكرة، بل على الذات نفسها2. الغضب كدرع وجوديالغضب هنا ليس رد فعل عاطفياً بسيطاً، بل هو:· آلية دفاع وجودية: تحمي الفرد من الانهيار النفسي عند تهديد أساسيات هويته· تمرد ضد الحرية: يواجه الفرد بغضب لأنه يفرض عليه حرية كان يجهلها – حرية الاختيار خارج الإطار الموروث· خوف من العزلة الوجودية: فقدان المعتقد الموروث يعني فقدان الانتماء إلى الجماعة التي تشكل شبكة الأمان الوجوديالآليات النفسية للدفاع عن الموروثالتبرير المُتعَصِّبكلما زاد التنافر، زاد تصلب التمسك بالموروث. العقل يفضل:· تشويه الحقائق الجديدة (“كل هذا كذب”)· البحث الانتقائي عن أدلة تؤيد الموروث· تكوين نظريات مؤامرة تفسر التناقض (“هم يريدون إفسادنا”) … سوف نرد على شُبهاتهم …– الاستقطاب الأخلاقيتحويل الصراع المعرفي إلى معركة أخلاقية:· “من ليس معنا فهو ضدنا”· تحييد التناقض بوصف الخصم بالشر المطلق· هذا يريح الضمير: أنا لا أدافع عن فكرة، بل أقاتل الشر!الأبعاد الفلسفية: العبء الثقيل للوعيمقاربة سارتريةالوجود يسبق الماهية، لكن الموروث يقلب المعادلة:· الموروث يعطيك “ماهية” جاهزة (ابن العائلة الفلانية، المنتمي للمذهب الفلاني)· عندما تكتشف تناقضها، تواجه عبء حرية لم تطلبها· الغضب هنا هو غضب من مسؤولية الوجود الحرمنظور نيتشهالموروث هو “قطيع” يقدم الأجوبة الجاهزة. الاكتشافات الجديدة تفرض:· الخروج من القطيع· مواجهة العدمية المؤقتة قبل بناء قيم جديدة· هذا الألم الوجودي يتحول إلى غضب موجه نحو مصدر “الإزعاج”لماذا الغضب وليس الحزن أو القلق؟الغضب هو الرد الأنسب وجودياً لأنه:· يمنح وهم القوة والسيطرة في موقف يشعر فيه الإنسان بالضعف· يحول الضحية إلى مقاتل (“أنا أهاجم بدلاً من أن أهاجَم”)· يوحد النفس المشتتة تحت راية واحدة: المقاومة· يعيد بناء الحدود بين “الأنا” و”الآخر” عندما تتهددالكارثة الحقيقية: عندما يصبح التنافر نظاماًالخطير ليس التنافر المؤقت، بل تحوله إلى:· بنية دائمة للتفكير: حيث يعيش الإنسان في حالة حرب دائمة مع الواقع· هوية مأساوية: أعرّف نفسي بـ “من أكون ضدهم” لا “من أكون”· تضخم الأنا: الغضب المستمر يخلق وهم التميز الأخلاقي (“أنا الوحيد الذي يرى الحقيقة”)… الخلاصة الغضب الناتج عن التنافر المعرفي لدى ورثة المعرفة ليس ضعفاً في التفكير، بل هو:تمرد اللاوعي ضد موت الهوية الزائف. إنه صرخة كبرياء إنسان يرفض أن يولد من جديد رغماً عنه، يرفض أن يدفع ثمن حرية لم يخترها. المشكلة ليست في الغضب، بل في تحويله إلى وطن دائم بدلاً من كونه محطة عبور نحو وعي أكثر رحابة.الانتقال من الموروث إلى المكتسب هو عملية فطام وجودي – والفطام دائماً مؤلم، وغاضب. لكن البقاء في هذا الغضب هو اختيار مريح للجبن الوجودي: الألم المعروف للولادة الجديدة.الحل ليس في تجنب التنافر، بل في تحويل الغضب من سلاح دفاع إلى طاقة استكشاف. أن تغضب لأنك اكتشفت أن بعض موروثك خطأ، فهذه بداية الحكمة. لكن أن تغضب إلى الأبد فهذه نهاية العقل … # المثقفون السوريون # مجلة ايليت فوتو ارت


