صبري مدلّل (وسط) في مهرجان “أيام الموسيقى العربية” في نانتير الفرنسية (1985 Getty)
يمثل صبري مدلّل (1918- 2006) ظاهرة استثنائية في تاريخ الموسيقى العربية والشرقية، فهو لم يكن مجرد منشد أو مطرب، بل كان “سادناً” للتراث الحلبي وأيقونة للتواصل بين الإنشاد الديني والغناء الطربي.
وُلد محمد بن أحمد مدلل، المعروف بالشيخ صبري، عام 1918 في بيت المشارقة لبيت حلبي محافظ امتاز والده فيه بالاستقامة والتواضع وحبّ العلم، ثم انتقل إلى حي الجلوم بعد هدم معظم حي المشارقة.
اكتُشفت موهبته طفلاً في الثانية عشرة عاماً، وهو يؤذن في جامع حي المشارقة قرب حمام الجسر من إمام الجامع واقترح على والده إلحاقه بشيخ الموشحات عمر البطش (1885 – 1950)، فتعلم على يديه المقامات والموشحات والإيقاعات، وتعرّف إلى العود وبعض الآلات الإيقاعية التي استهوت قلبه، فصاغته تلك السنوات المبكرة كحامل مبكر لسرّ المدرسة الحلبية الأصيلة.
مع نهاية الأربعينيات دخل إذاعة حلب، وكان مديرها فؤاد رجائي (1910- 1965)، والد سعدالله آغه القلعة الباحث الموسيقي ووزير السياحة لعشر سنوات حتى 2011، وقدم على الهواء أغانيَ من ألحان بكري الكردي (1909- 1978) ومنها “ابعتي لي جواب” قبل أن يختار الانحياز إلى طريق خاص في الغناء.
استقال من الإذاعة عام 1954 متجهاً إلى تأسيس فرق متخصصة، فأنشأ فرقة للإنشاد الديني والمدائح، على غرار فرقة توفيق المنجد (1909- 1998) في دمشق، كما قاد فرقاً للغناء التراثي والموشحات والأدوار والقدود.
بدأ اسم صبري مدلّل يتجاوز حدود حلب وسورية ليستقر في ذاكرة المهرجانات العربية والعالمية، من بوابة جامع الكلتاوية في حلب حيث تعرّف الباحث الموسيقي الفرنسي/ البلجيكي كريستيان بوخيه
الألحان والصوت وذاكرة القدود
امتاز صوته بقوة مدهشة مع قدرة نادرة على التنقل بين المقامات الشرقية بليونة، كان صوته قادراً على الانتقال من خشوع التواشيح والمدائح إلى سلاسة القدود الحلبية، في الجمع بين التلاوة والإنشاد والطرب دون أن يفقد الهيبة الروحية أو الصنعة المقامية، لحّن عدداً من الأناشيد والمدائح التي أصبحت فيما بعد “مفاتيح” لفرق الإنشاد الديني، من بينها “يا نبي سلام عليك”، “راحت الأطيار تشدو”، “أحمد يا حبيبي سلام عليك”، إلى جانب تلحينه وغنائه عدداً من قصائد ابن الفارض وغيره من شعراء التصوف.
كما غنّى من رصيد القدود والأغاني الحلبية التراثية، وتحولت نغماته إلى وثائق سمعية للذائقة الحلبية مثل “القراصيا” و”زمان زمان” و”أول عشرة محبوبي”، فترسخ في أذهان الجمهور ليس كمنشد ديني وحسب، بل كأحد شيوخ القدود، وقد أدخل الفرح إلى الأناشيد الدينية.
منذ منتصف السبعينيات، بدأ اسمه يتجاوز حدود حلب وسورية ليستقر في ذاكرة المهرجانات العربية والعالمية، من بوابة جامع الكلتاوية في حلب حيث تعرّف الباحث الموسيقي الفرنسي/ البلجيكي كريستيان بوخيه (مؤلف كتاب الموسيقى العربية – الأندلسية) على فرقته، فسجّل له أسطوانة “مؤذنو حلب” التي أرخت لصوت المدينة عبر أذانها وتواشيحها.
وفي عام 1975 نُظمت للفرقة حفلة في قصر الثقافة بباريس، اعتُبرت بداية عهد جديد للإنشاد الديني في أوروبا، بعدما وقف الجمهور الغربي أمام حالة فنية روحانية خالصة قادمة من حلب.
وتوالت مشاركات مدلل في المهرجانات العربية والدولية، منها مهرجان الموسيقى العربية على مسرح الأمانديه الفرنسي عام 1986، كما غنّى في مهرجانات قرطاج التونسية، وفي بيروت ومصر، إلى جانب جولات في بلجيكا والنمسا وألمانيا وهولندا واليونان وهونغ كونغ، وكان يصعد إلى المسرح بلباسه العربي الشعبي التقليدي، وطربوشه الذي لم يفارقه في معظم حفلاته، حاملاً صورة حلب بصوتها وهيئتها في آن.
وفي سنواته المتقدّمة تعاقد مع فرقة “الكندي” التي أسسها عازف القانون الفرنسي، جوليان فايس، فقدّم معها حفلات بعنوان “السهرة الحلبية” في عواصم أوروبية عدة، وقدّم الموشحات والقدود بوصفها فناً عالمياً قابلاً للتلقّي عبر الحس قبل اللغة.
ما يميز الشيخ صبري عن كثيرين من معاصريه أنه لم يتعامل مع الموشّحات والقدود بوصفها موادَّ للغناء فحسب، بل كتراث واجب الحفظ والتوريث، لذلك أنشأ عدة فرق للغناء التراثي، وللإنشاد الديني، وللرقص الشعبي، بهدف تقديم صورة متكاملة عن الثقافة الحلبية، صوتاً وحركة وطقساً، و ضمّت هذه الفرق عدداً من كبار مغني ومنشدي حلب، ومرّ عبرها جيل كامل تعلّم على يديه وأعاد لاحقاً نشر هذا التراث في فرق سورية وعربية عديدة، لتتحوّل تجربة مدلل إلى ما يشبه “المنهاج العملي” للإنشاد والتراث الحلبي.
كان صبري مدلّل، وهو في الثمانين، “شيخ الكار” الذي يطربك بهمسة بقدر ما يطربك بصرخة، وهو مدرسة متكاملة في كيفية الحفاظ على الموهبة وصقلها بالثقافة والروحانية
نال خلال مسيرته الطويلة مكانة تكريمية معنوية بوصفه “شيخ مطربي حلب” و”كنزاً سورياً من زمن الأصالة”، وأنجز عنه المخرج السوري محمد ملص عام 1998 فيلماً وثائقياً بعنوان “حلب مقامات المسرة”، قدّم فيه مدلل نفسه بأنه “مُدخل السرور إلى قلوب الناس”، في تعريف بسيط لكنه يلخص فلسفته في الفن.
تحولت تسجيلاته، من الأذان والتواشيح إلى وصلات الموشحات وحفلات باريس وقرطاج، إلى أرشيف حيّ للاستماع، ومرجع لكل باحث في المدرسة الحلبية، فيما ظلّ جماهيرياً نموذجاً للفنان الذي حافظ على التراث من دون أن يحوّله إلى متحف، بل أبقاه حياً فوق المسرح.
في عام 1985استلم الفنان محمد حمادية فرقة خاله الشيخ صبري، فغيّر وجهها وأدخل عليها الفنون التعبيرية والحسية ووسع الفرقة الموسيقية، وكان “الماسترو”.
ويقول حمادية لـ”سورية الجديدة”: “أطلقت جدتي والدة الشيخ عائشة القصاص، اسم صبري تعبيراً لصبرها ثلاث سنوات، على موت عدة أولاد قبل الولادة، وعندما كانت حاملاً به، ذهب والده لأداء فريضة الحج ودعا ربه أن يرزقه طفلاً ذا صوت شجي، لأنه كما معظم أهل حلب، يحبون الأصوات الجميلة”.
وكشف حمادية أن خاله الشيخ صبري ترك 38 لحناً دينياً، ولحناً واحداً سجله عندما انطلق رائد الفضاء السوري محمد فارس، في رحلة إلى محطة الفضاء “مير” في يوليو/ تموز 1987 لكن اللحن لم ينتشر ومن كلماته “يا نجوم استقبلينا، يا كواكب باركينا، نحن صرنا بالمجرة، نكتشف لغزها وسرها والقمر طالل علينا”.
كان صبري مدلل، وهو في الثمانين، “شيخ الكار” الذي يطربك بهمسة بقدر ما يطربك بصرخة، وهو مدرسة متكاملة في كيفية الحفاظ على الموهبة وصقلها بالثقافة والروحانية، وبرحيله عام 2006، فقدت حلب والعالم العربي صوتاً نادراً جمع بين حرارة الروح ودقّة المقام، غير أنّ إرثه اليوم في التسجيلات والفرق التي حملت مشعله، وفي الأجيال التي تربت على صوته، يضعه في موقع من أسهموا فعلاً في إنقاذ التراث من النسيان لا من خلال الخطابة، بل عبر الأداء الحيّ المتواصل أكثر من نصف قرن.
******
المصادر
العربي الجديد
إيليت فوتو أرت


