ونبتدي منين الحكاية
حمص أصل الحكاية
محمد الخالد النحيل أبو زياد رحمه الله شيخ كار وآخر صناع الخشب الحي حرفة “علب اللبن” في حمص
الحاج محمد الخالد النحيل (أبو زياد) تاركاً خلفه إرثاً من الفن والمهارة اليدوية التي ندر وجودها في زمن الآلة. “أبو زياد” لم يكن مجرد نجار عادي بل كان فناناً طوع الخشب القاسي ليجعله جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية لأهل المدينة وريفها.
وُلد عام 1930 وتفتحت عيناه على رائحة خشب الجوز في ورشة والده الحاج صادق النحيل (أبو ياسين). تشرب أسرار المهنة منذ نعومة أظفاره وصقل خبرته تحت إشراف خاله أبو سعدو أحمد عرفة ليصبح لاحقاً من أمهر الحرفيين الذين عرفتهم أسواق حمص القديمة بدقتهم المتناهية.
في عام 1945 وعقب وفاة والده تسلم “أبو زياد” راية العمل فعلياً محافظاً على دكانه الشهير في منطقة الحميدية – شارع بيت رجوب حيث استمر بالعمل في ذات المكان لنصف قرن حتى وفاته في عام 1995 وظل محله خلالها مقصداً لكل من يبحث عن الجودة والأصالة.
تخصص في صناعة فريدة هي “علب اللبن ومخامر الحليب” وهي حرفة تتطلب ذكاءً هندسياً وحساً فنياً عالياً. وكان “أبو زياد” يصر على استخدام خشب الجوز البلدي حصراً لكونه النوع الوحيد الذي يمتلك المرونة الكافية للانحناء والقوة اللازمة لتحمل الاستخدام الشاق.
كانت طريقة الصناعة تبدأ بنشر جذوع الجوز يدوياً إلى ألواح رقيقة جداً (لا تتجاوز 1 سم) ثم تُعرض لأشعة الشمس لساعات طويلة حتى تلين أليافها. وبصبر لا يمل، يقوم “أبو زياد” بثني هذه الألواح يدوياً لتشكل دائرة محكمة لتصبح “علبة” مثالية يستخدمها العرب الرحل في حفظ لبن الغنم ونقله للأسواق.
لم تقف حدود إبداع الحاج محمد عند مهنة الآباء، بل كان يمتلك روحاً ابتكارية لافتة. يذكره أبناء جيله بذكائه في إعادة تدوير العلب والخشب لصناعة مراوح وألعاب خشبية بسيطة، كانت تملأ قلوب أطفال ذلك الزمن بالبهجة، مما جعله شخصية محبوبة لكل الأعمار.
برحيل الحاج “أبو زياد” النحيل، تنطوي صفحة من صفحات الحرف الحمصية العريقة، لكن ذكره سيبقى محفوراً في ذاكرة شوارع حمص القديمة، وبين ثنايا تلك الأدوات الخشبية التي صنعها بحب وإتقان.
رحم الله أصحاب الأيدي العاملة الذين عاشوا بصمت وتركوا أثراً لا يمحى.
#حمص قصة عشق لاتنتهي
#رامي الدويري عضو الجمعية التاريخية السورية


