شاعريةسعيد عقل وعبقرية عاصي وصوت فيروز..قصيدة لبنان واكتمال الشغف

قصيدة لبنان.!!! ملتقى العبقريات الثلاث
كل طريق مشيناه في هذه السلسلة – سلسلة سعيد عقل – كان يقود في الخفاء إلى هذه القصيدة

إلى تلك اللحظة التي تتخلى فيها الكلمة عن كونها كلمة والموسيقى عن كونها موسيقى والصوت عن كونه صوتا ثم تجتمع كلها في شيء واحد اسمه لبنان

هنا تقف قصيدة لبنان لسعيد عقل كدرة في تاج التجربة كلها

فقد كتب سعيد عقل لبنان كما لو أنه لا يصف أرضا وإنما يستخرج وطنا من قلب اللغة

وصنع الرحابنة للمكان جناحين من موسيقى تستطيع أن تحمل القصيدة دون أن تثقلها وأن تمنحها اتساعا يليق بصورة لبنان التي أرادها الشاعر

ثم جاءت فيروز

فوهبت القصيدة صوتها كما يدخل الضوء إلى بيت قديم فيكشف جمالا كان موجودا منذ زمن لكنه كان ينتظر لحظة واحدة كي يتجلى

لهذا يصعب أن نفصل هنا بين العبقريات الثلاث

سعيد عقل يكتب لبنان

الرحابنة يمنحونه زمنا موسيقيا يتحرك فيه

وفيروز تمنحه الحياة

( مِن أَينَ يا ذا الّذي اسْتَسْمَتَهُ أغصانُ

مِن أَينَ أنتَ فَداكَ السَّرو والبان.)

منذ هذا المطلع لا يبدأ الشاعر بوصف لبنان وإنما يجعل لبنان يتكلم

الأغصان تستسمي الغريب

والسرو والبان يصيران كأنهما أهل الدار

والسؤال من أين أنت يتحول شيئا فشيئا إلى سؤال آخر أعمق

من نحن

ثم تأتي تلك الصورة التي تكاد تبدو خارجة من أسطورة قديمة

(لِي صَخْرَةٌ عَلِقَتْ بِالنَّجْمِ أَسْكُنُهَا)

هنا لا يعود لبنان قطعة من الأرض

الصخرة معلقة بين التراب والسماء

وطن له جذور في الجبل لكن عينه في النجمة

وكأن سعيد عقل يريد أن يقول إن بعض الأوطان لا تسكنها لأنها تقع على الخريطة بل لأنها تقع في الخيال

ثم تأتي الجملة التي تكشف سر الصورة كلها

(طَارَتْ بِهَا الْكُتُبُ قَالَتْ تِلْكَ لُبْنَانُ)

يا لها من صورة

فالكتب هنا لا تصف لبنان فقط

إنها تحمل لبنان معها

كأن الوطن الذي اختصره الشاعر في صخرة وأرز وشمس وبحر يستطيع أن يهاجر داخل الصفحات وأن يصل إلى من لم تطأ قدماه جباله

وهنا تظهر إحدى أعظم خصائص سعيد عقل

كان يعرف أن الوطن يمكن أن يصبح فكرة حين تعجز الجغرافيا عن احتوائه

لكن الفكرة عنده لا تبقى مجرد فكرة

إنها تتجسد في امرأة سمراء وفي صخرة وفي أرز وفي بحر وفي أهل يحملون المجد كما يحمل المرء شيئا ثقيلا لا يريد أن يضعه

(وَمَنْ أَنَا لَا تَسَلْ سَمْرَاءَ مَنْبِتُهَا

فِي مُلْتَقَى مَا الْتَقَتْ شَمْسٌ وَشُطْآنُ)

هنا يصبح لبنان امرأة

وهذه المرأة ليست زينة للصورة

إنها صورة الوطن نفسه

سمراء من الشمس

ابنة الشاطئ والجبل

وفي ملامحها يلتقي ما لا يجتمع عادة

الأرض والبحر

الأنوثة والصلابة

الجمال والتاريخ

كأن الشاعر لم يجد طريقة ليقول لبنان أجمل من أن يمنحه جسدا

ثم يذهب إلى أهله

(أَهْلِي وَيَغْلُونَ يَغْدُو الْمَوْتُ لُعْبَتَهُمْ

إِذَا تَطَلَّعَ صَوْبَ السَّفْحِ عُدْوَانُ)

فتخرج القصيدة من جمال الطبيعة إلى صلابة الإنسان

وهذه النقلة مهمة جدا

لأن لبنان سعيد عقل لا يعيش في الأرز وحده

لبنان هو الإنسان الذي يحرس معنى المكان

هو اليد التي تعرف أن الأرض لا تصبح وطنا إلا حين يكون هناك من يؤمن بها ويهبها من حياته

ثم يبلغ الاختزال ذروته

(مِنْ حَفْنَةٍ وَشَذَا أَرْزٍ كِفَايَتُهُمْ

زَنُودُهُمْ إِنْ تَقُلْ الْأَرْضُ أَوْطَانُ)

أي وطن هذا الذي يمكن أن تختصره حفنة وتركة عطر

حفنة من تراب

وشذا أرز

لكن الشاعر يضع فيهما ما لا تستطيع الخرائط أن تحمله

وهنا تصبح الأرض مثل قطرة عطر

صغيرة في حجمها

واسعة في أثرها

يمكن أن تملأ غرفة كاملة ولا تستطيع اليد أن تمسك بها

ثم تأتي واحدة من أكثر لحظات القصيدة إنسانية

(هَلْ جَنَّةُ اللَّهِ إِلَّا حَيْثُمَا هَنِئَتْ

عَيْنَاكَ كُلَّ اتِّسَاعٍ بَعْدَ بُهْتَانِ)

فجأة يتغير معنى الوطن

لم يعد لبنان مجرد جبل أو بحر أو تاريخ

الوطن يصبح المكان الذي ترتاح فيه العين

كأن سعيد عقل ينقل لبنان من الخريطة إلى القلب

ومن التراب إلى الذاكرة

ومن المكان إلى الإحساس

ثم يقول

(هُنَا عَلَى شَاطِئٍ أَوْ فَوْقَ عِنْدَ رُبًى

تَفْتَحُ الْفِكْرَ قُلْتُ الْفِكْرُ نَيْسَانُ)

وهنا يبلغ النص منطقة شديدة الرهافة

الفكر يصبح نيسان

وهذه ليست صورة جميلة وحسب

إنها فلسفة كاملة

فكما يفتح الربيع الأرض للزهر

يفتح لبنان الفكر

وكما يأتي نيسان حاملا وعد الحياة

يأتي المكان حاملا وعد التأمل

في لحظة واحدة يصبح المشهد الطبيعي فكرا

ويصبح الفكر ربيعا

وهذه هي المسافة التي يقطعها سعيد عقل بين الشعر والوطن

إنه لا يريد للبنان أن يكون منظرا جميلا

يريده معنى

والرحابنة أمام هذه القصيدة كانوا أمام مهمة بالغة الصعوبة

كيف يمكن للموسيقى أن تحمل هذه اللغة دون أن تصبح عبئا عليها

كيف تستطيع النغمة أن تدخل إلى قصيدة مليئة بالصور والرموز دون أن تطغى على الكلمة

هنا تظهر قيمة التفاعل بين سعيد عقل والرحابنة

سعيد عقل جاء باللغة وقد بلغ بها درجة عالية من التكثيف

والرحابنة عرفوا كيف يفتحون أمامها فضاء موسيقيا يسمح لها أن تتنفس

الموسيقى هنا لا تشرح الشعر

إنها تهيئ له الهواء

وهذا هو الفرق بين تلحين القصيدة وتحرير القصيدة داخل الموسيقى

ثم تأتي فيروز

وهنا تحدث المعجزة التي لا تستطيع القراءة وحدها أن تفسرها

حين تقول فيروز هذه الكلمات لا تشعر أن شاعرا كتبها ثم جاءت مطربة لتغنيها

تشعر أن لبنان نفسه وجد صوته

وهذه هي قوة فيروز في أفضل تجلياتها

أنها لا تقف أمام النص

تدخل إليه

لا تضع صوتها فوق القصيدة

تجعل صوتها جزءا من نسيجها

ولهذا تبدو الكلمات عندها أقل شبها بالحبر وأكثر شبها بالذكرى

كأنك لا تسمع عن لبنان

بل تتذكر مكانا لم تعشه

وربما هذه هي أعمق قدرة امتلكتها فيروز

أن تمنح الإنسان ذاكرة عن أشياء لم يرها

فتسمع لبنان فتشعر أن لك فيه بيتا

وتسمع الجبل فتشعر أن طفولتك كانت هناك

وتسمع البحر فتظن أنك تركت على شاطئه شيئا من روحك

هنا تلتقي العبقريات الثلاث

سعيد عقل أعطى لبنان صورته الشعرية

الرحابنة أعطوه الزمن الذي تتحرك فيه هذه الصورة

وفيروز أعطته الذاكرة الإنسانية

ولهذا لا أرى قصيدة لبنان مجرد واحدة من القصائد التي تعاون فيها سعيد عقل والرحابنة وفيروز

أراها نقطة التقاء

ما بحث عنه سعيد عقل في اللغة

وما بحث عنه الرحابنة في الموسيقى والمسرح والهوية

وما كانت فيروز قادرة على منحه للكلمة حين تعبر من الورق إلى الأذن ثم تستقر في القلب

وفي النهاية يعود الشاعر إلى الإيمان

(كُنَّا وَنَبْقَى لِأَنَّا الْمُؤْمِنُونَ بِهِ

وَبَعْدُ فَلْيَسَعِ الْأَبْطَالُ مَيْدَانُ)

وهنا ينكشف المعنى الأخير

الوطن عند سعيد عقل ليس أرضا نحبها لأنها لنا

إنه معنى نؤمن به حتى يصبح لنا

ثم يفتح الباب

وبعد فليسع الأبطال ميدان

كأن القصيدة بعد أن بنت لبنان من صخرة وأرز وشمس وبحر وإنسان تقول إن الوطن لا ينتهي عند جمال صورته

هناك دائما ما يجب أن يفعل

وهنا تكتمل الدائرة

بدأت القصيدة بسؤال

من أين أنت

وانتهت بإعلان الهوية

تلك لبنان

وبين السؤال والجواب لم يصف سعيد عقل بلدا

لقد صنع له جسدا وذاكرة وأساطير وأهلا وسماء

ثم جاء الرحابنة فأعطوا هذا العالم موسيقاه

وجاءت فيروز فأشعلت فيه الصوت

لهذا أعود إلى ما بدأت به

هذه ليست محطة عابرة في هذه السلسلة

هذه درة التاج

المكان الذي تتجاور فيه ثلاثة أنهار ثم تصير نهرا واحدا

شعر سعيد عقل

وموسيقى الرحابنة

وصوت فيروز

وعندما يصل الفن إلى هذه الدرجة لا يعود السؤال من كتب ومن لحن ومن غنى

السؤال يصبح ماذا حدث لنا حين سمعناهم

لقد حدث أن لبنان خرج من القصيدة

ومشى إلينا

ثم نظر إلينا من بعيد

وقال

(تِلْكَ لُبْنَانُ)

#هاني عبد العليم#فيروز#مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم