مقاربة نقدية لفيلم “Sentimental Value” للمخرج يواكيم تريير
في مشهد لا يتجاوز بضع دقائق من فيلمه “قيمة عاطفية” (Sentimental Value)، يجلس المخرج العجوز غوستاف بورغ (ستيلان سكارسغارد) مع النجمة الأمريكية الشابة رايتشل كيمب (إيل فانينغ) في غرفة النوم حيث انتحرت والدته. تطرح رايتشل أسئلة تقنية عن مشهد الانتحار الذي ستؤديه، فيجيبها غوستاف بهدوء: “لقد حدث الأمر هكذا حقاً… مع والدتي”. ثم يشير إلى المقعد الذي تجلس عليه: “إنه نفس المقعد”. تقفز رايتشل من مكانها فزعة، بينما نسمع ضحكات خافتة من الخلفية. هذا المزيج الغريب بين المأساة والكوميديا، بين الصدمة والضحك العصبي، هو جوهر سينما يواكيم تريير في فيلمه الأكثر نضجاً وعمقاً حتى الآن.
——
هل للمكان ذاكرة !! حوار صامت بين الجدران
يبدأ الفيلم بجولة في البيت العائلي، ذلك الصرح الخشبي ذو الطراز التنيني (dragestil) الذي يبدو وكأنه أقصوصة من حكايات هانس كريستيان أندرسن(طراز معماري خشبي ، أجيال تتعاقب في نفس البيت ، ومزج الواقع بعناصر المأسآة والسحر والذاكرة العميقة، هذه هي بيوت شمال أوروبا عند اندرسن)، واقعاً في قلب حي فرونغن الراقي في أوسلو. مصور الفيلم الدنماركي كاسبر توكسن يمنح الكاميرا حضوراً شبه روحي، فيحركها عبر الممرات، ويتسلل إلى الزوايا، ويقترب من الشقوق المتعرجة في الجدران التي تشبه “انحناء البيت ببطء شديد” كما تصفها نورا الصغيرة في مقالها المدرسي.
هذه الافتتاحية السينمائية الجميلة تقدم البيت وكأنه شخصية لها ذاكرة، وكأن الكاميرا تقوم باستكشاف تشريحي لهذا الكائن الخشبي الذي شهد أربعة أجيال من العائلة. توكسن، الذي وثق حياة والديه في فيلم وثائقي موازٍ أثناء تصوير هذا العمل، يقول إن البيت كان “المحور الأساسي” الذي يدور حوله كل شيء. هناك مشهد واحد يجسد هذه العلاقة الجدلية بين المكان والذاكرة: عندما تعود الأختان نورا (ريناتا رينسف) وأغنيس (إنغا إبسدوتر ليلاس) إلى البيت بعد جنازة والدتهما، تلتقط الكاميرا وهما تمشيان في الممرات، وتتوقف عند غرفة الأم الخاوية، ثم تنظر من النافذة إلى الخارج كما لو كانت روح البيت تراقب بناته العائدات.
اللافت في عمل توكسن أنه يوزع الكاميرا بين نمطين متباينين: المشاهد التي تجري في الحاضر تُصوّر بالكاميرا المحمولة باليد (handheld) التي تمنح إحساساً بالتوتر وعدم الاستقرار، بينما تُصوّر المشاهد التي تتعلق بذاكرة غوستاف السينمائية بعدسات مختلفة تحاكي الطابع القديم، وأحياناً بالأبيض والأسود أو بصيغة 16 مم. هذا الالتباس الأسلوبي يعكس الانقسام الداخلي للشخصيات بين حياة مضطربة وذاكرة مثالية ومستحيلة.
–‐—–
الكادر في الواجهة: لغة الجسد في مقابل اللغة المنطوقة
أحد أكثر الجوانب إثارة في فيلم “قيمة عاطفية” هو الطريقة التي يتعامل بها تريير مع الحوار. ليس لأنه يكتب حوارات بارعة (وهو يفعل ذلك بالتأكيد)، بل لأنه يدرك متى يصمت. المخرج الذي صرح قائلاً “لقد نشأت في التسعينيات، أنا ابن السخرية… لكن مع هذا الفيلم، أردت التحدث عن أشياء حميمية ورقيقة، وهذا مهم بالنسبة لي الآن”، يبدو وكأنه يتحدى نفسه: كيف يمكن سرد قصة عن عجز العائلة عن التحدث، بلغة سينمائية مباشرة وصادقة؟
في مشهد المطبخ الذي يسبق وصول غوستاف ورايتشل مباشرة، نرى نموذجاً لهذه البراعة. تحاول أغنيس التحدث بإيجابية عن والدها الغائب، بينما ترد نورا بعبارات سطحية، ولكن العقدة الحقيقية لا تنشطر في الكلمات بقدر ما تنشطر في وجوه الممثلين. ريناتا رينسف، التي اكتشفتها تريير في “أسوأ شخص في العالم” وكتب لها هذه الشخصية خصيصاً، تمتلك قدرة استثنائية على تجسيد الألم المكبوت بتعبير واحد من عينيها. عندما تخبر أغنيس نورا أن والدها منح دورها لممثلة أمريكية، لا تقول نورا شيئاً، لكن وجهها يتحول من اللامبالاة المتصنعة إلى الصدمة المرة، ثم إلى الغضب البارد، ثم إلى الاندفاع المفاجئ: تلتقط مزهرية من على الطاولة وتخرج مسرعة من الباب. المشهد برمته لا يستغرق دقيقة، لكنه يقول أكثر من عشر صفحات من الحوار.
هذه المشاهد “غير المنطوقة” هي ما جعل الناقد أندرس دانيالسن لاي (الذي يظهر في الفيلم في دور صغير) يصف تجربة العمل مع تريير بأنها “شعرية بالمعنى الحرفي”. حتى مصور الفيلم كاسبر توكسن يعترف بأنه اضطر إلى استخدام عدسة مسخنة في الكاميرا “لطهو دموعه”، لأن مشاعره كانت تتكثف على العدسة البصرية أثناء التصوير.
‐———-
لقطات تكريمية للصنعة القديمة
في لحظة تبدو وكأنها خرجت من فيلم وثائقي عن صناعة السينما، يأخذ غوستاف فريقه لتصوير مشهد في قطار متحرك. الكاميرا تبدأ مع طفلة تبكي في حقل، ثم تنتقل إلى القطار، ثم تصعد خلفها بينما تركض لتلحق به. هذه اللقطة الطويلة الواحدة (oner) التي تتطلب تنسيقاً دقيقاً بين فتح الأبواب وإغلاقها وحركة الكاميرا، هي بمثابة “بيان سينمائي” من تريير نفسه. صرح قائلاً: “كان علي أن أحاول أن أصبح مخرجاً أفضل… لقد قلدت غوستاف بورغ، ذلك المخرج القديم الذي يؤمن باللقطات الطويلة المعقدة”.
هذا التكريم للسينما “القديمة” لا يقتصر فقط على الشكل، بل يمتد إلى الجوهر: تريير يصور على فيلم 35 مم، وبنفس المعدات التي استخدمها في “أسوأ شخص في العالم”. هناك مشهد آخر يبرز هذه النظرية: عندما يعيد غوستاف بناء جزء من البيت في الاستوديو لتصوير لقطة معينة، يصمم فريق العمل نموذجاً مصغراً للبيت كهدية للمخرج في آخر يوم تصوير. المفارقة أن هذه اللقطة الارتجالية للنموذج المصغر دخلت في المونتاج النهائي ضمن التسلسل الأسود والأبيض، وكأن الفيلم يحتفل بلحظاته المرتجلة بقدر احتفاله باللحظات المدروسة.
‐———
المونولوج الأخير: ثلاث دقائق من الصدق الخالص
اذا كان هناك مشهد واحد يجسد نضج تريير ككاتب ومخرج، فهو المشهد الأخير بين الأختين. بعد كل التجنب والمراوغة والحديث غير المباشر، تجلس نورا وأغنيس وجهاً لوجه في غرفة النوم القديمة. تبدأ المحادثة بشكل عادي، ثم تتصاعد تدريجياً حتى تصل إلى مواجهة صريحة: لماذا رفضت نورا التمثيل في فيلم والدها؟ لماذا شعرت أغنيس دائماً أنها “غير مرئية” بين الأب المبدع والأخت الموهوبة؟ لماذا سمحتا لأنفسهما بأن تكونا أدوات في مشاريعه العاطفية والفنية؟
هذا المشهد الذي وصفه أحد النقاد (the tribune, Vandant Chandel) بأنه “أكثر ثلاث دقائق غير مفلترة من المشاعر الإنسانية ستراها على الشاشة طوال العام”، هو تتويج لرحلة الفيلم بأكملها. ريناتا رينسف وإنغا إبسدوتر ليلاس (التي اكتشفها تريير بعد ستة أشهر من الاختبارات) تتبادلان الأدوار بحساسية استثنائية. الكاميرا هنا لا تقترب منهما فقط، بل تكاد تندمج معهما، وكأن توكسن يريد أن يقول: “لا شيء يفصلنا عنهما الآن”. المخرج الذي أمضى حياته المهنية في تصوير شخصيات “ثمانين بالمئة مضطربة” (كما تصف نورا نفسها)، يصل هنا إلى لحظة من التطهر العاطفي الذي لا يقع في فخ الابتذال.
‐———
عند النهاية: قيمة العاطفة في زمن الزيف
في خطاب قبوله جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي (أول فوز للنرويج في هذه الفئة)، قال تريير: “أنا مجرد مهووس سينمائي من النرويج… لقد وجدت عائلة في طاقم هذا الفيلم”. ثم اقتبس مقولة جيمس بالدوين: “كل البالغين مسؤولون عن كل الأطفال… لا تصوتوا للساسة الذين لا يأخذون هذا على محمل الجد”.
في لحظة كهذه، يتضح أن “Sentimental Value” ليس مجرد فيلم عن عائلة مفككة، بل هو بيان عن إمكانية الشفاء من خلال الفن، حتى الشفاء من النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية ومخلفاتها، دون أن يكون الفن بديلاً عن المسؤولية الأخلاقية. قيمة عاطفية ليس فيلماً سهلاً. إنه فيلم عن أشخاص لا يستطيعون التحدث، وقد جعلهم مخرجهم يتحدثون بصدق مؤلم. عن عائلة تفتقد إلى الكلمات، وقد وجدت في الكاميرا أداة للاعتراف. عن سينما تشفى من جراحها عبر الاحتفاء بجراح الآخرين. في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل الفن جسر يربطنا، أم حاجز نبنيه لتجنب مواجهة حقيقتنا؟ تريير لا يقدم إجابة، لكنه يقدم فيلماً كاملاً كسؤال.
اعتذر للاطالة … الفيلم جميل وعذب
— مع Muayad Alshahad.
# مجلة إيليت فوتو آرت


