عندما يذوب الفرد العاقل في بحر الجموع الهائج، تتلاشى شخصيته الواعية، وتستيقظ الغرائز البدائية العميقة ليولد كائن جديد، أعمى ومخيف: “الجمهور”. في هذه اللحظة، يسكت العقل تماماً، وتتكلم العاطفة، ويصبح الوهم هو المحرك الأوحد للتاريخ.
“سيكولوجية الجماهير”
لعالم النفس والاجتماع غوستاف لو بون.
شهدت أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تحولات زلزالية؛ حيث تهاوت الأنظمة الملكية العتيقة، وتصدعت سلطة الكنيسة، وفي المقابل، زحفت الكتل البشرية الهائلة نحو مسرح التاريخ عبر النقابات، والإضرابات، والثورات، وصناديق الاقتراع. في خضم هذا الفراغ الموحش، وبينما كان علم النفس التقليدي منشغلاً بتشريح الذات الفردية المعزولة (كما فعل فرويد في بداياته)، أدرك غوستاف لو بون أن هناك مأزقاً معرفياً فادحاً: لا يمكن فهم الكوارث والمآسي أو حتى البطولات التاريخية بمعايير العقل الفردي. من قلب هذا الخطر الداهم، وعلى أنقاض التحولات الصناعية والسياسية، نحت لو بون هذا العمل المؤسس، ليقدم تشريحاً إكلينيكياً غير مسبوق لـ “العقل الجمعي”، مدشناً بذلك قطيعة إبستمولوجية نقلت مركز الثقل من دراسة الفرد إلى فك طلاسم “الكتلة”، ومنبهاً النخب إلى أن العصر القادم لن يكون عصر العقل، بل هو بلا منازع “عصر الجماهير”.
— من سيادة الفرد إلى طغيان الكثرة: تدشين عصر الجماهير
يؤسس غوستاف لو بون عمله على إعلان صريح بانتهاء حقبة النخب المفكرة وبداية سيطرة الحشود. يبرهن في هذا المحور على أن الانقلابات التاريخية الكبرى لا تنتج عن تغيرات سياسية ظاهرية، بل عن تحول عميق في أفكار الشعوب. يتتبع مسار انتقال السلطة، ليكشف أن الحقوق الإلهية للملوك قد حلت محلها الحقوق الإلهية للجماهير. ويفكك الفكرة القائلة بأن المؤسسات أو القوانين هي التي تصنع التاريخ، ليثبت أن اللاوعي الجمعي هو المحرك الخفي. فالجماهير، بقوتها التدميرية الهائلة التي تشبه “العوامل الجيولوجية”، قادرة على هدم الحضارات العتيقة، لكنها عاجزة تماماً عن بناء حضارة جديدة بمفردها، لأن البناء يتطلب عقلاً معمارياً، بينما الجمهور لا يمتلك سوى غريزة الهدم والاتباع.
— تفكيك الوعي الفردي: القانون النفسي للوحدة الذهنية
في واحدة من أعمق الطروحات، يشرح عالم الاجتماع التفاعل الكيميائي الغامض الذي يحدث عندما يتجمهر الأفراد. يستنبط لو بون ما أسماه “القانون النفسي للوحدة الذهنية للجماهير”، حيث يفقد الفرد المنخرط في حشد ما شخصيته الواعية، وتُمحى تمايزاته الفكرية والطبقية. يوضح كيف تنطمس الكفاءات العقلية، ليتساوى الفيلسوف والعامل غير المتعلم في لحظة الانفعال. ولتفسير هذه الحالة، يستعير آليات التنويم المغناطيسي، موضحاً أن الفرد في الجمهور يخضع لحالة من “العدوى النفسية” و”القابلية للتحريض”، فيصبح أشبه بالمنوَّم الذي سُلبت إرادته، ومستعداً لاقتراف أفظع الأفعال أو إنجاز أعظم البطولات التي لا يمكن أن يقدم عليها وهو في حالته الفردية الواعية.
— هندسة اللاعقلانية: عواطف الجماهير ومخيلتها الأسطورية
ينتقل المفكر بعد ذلك إلى تشريح البنية العاطفية لهذا الكائن الجديد، فيثبت أن الجماهير لا تعقل ولا تحلل، بل تحس وتتخيل. يفكك آليات التفكير الجماهيري، مبيناً أنها تتسم بالنزق، وسرعة الانفعال، والتعصب، والتبسيط المخل. يوضح كيف أن الجمهور يفكر بـ “الصور” المترابطة عشوائياً، ولا يقبل إلا الأفكار المطلقة الخالية من الفروق الدقيقة. وفي ذروة هذا التحليل، يكشف لو بون عن “الشكل الديني” لعقائد الجماهير؛ فالجمهور لا يحتاج إلى إله ليمارس طقوسه، بل يُسبغ عاطفة دينية عمياء (تتضمن الخضوع الأعمى، والتعصب، والرغبة في التضحية) على أي فكرة سياسية أو زعيم يتبعه، مفضلاً دائماً الوهم المريح على الحقيقة الصادمة.
— صناعة الخضوع: المحرّكون، الكلمات السحرية، وسطوة الهيب
يطرح لو بون رسالته الأخطر حول آليات السيطرة والتوجيه. يبرهن على أن الجماهير قطيع لا يمكنه العيش بدون سيّد، وهذا السيد (الزعيم) قلّما يكون من المفكرين العقلانيين، بل هو رجل أفعال، مأخوذ بفكرة استحوذت عليه حتى حدود الهوس. يفكك لو بون أدوات الإقناع، ليؤكد أنها لا تعتمد على البرهان المنطقي، بل على ثلاثة عناصر: التأكيد الحاسم الخالي من الأدلة، التكرار المستمر، والعدوى. وإلى جانب ذلك، يسلط الضوء على السحر الغامض للكلمات، مبيناً أن الكلمات لا تُقاس بمعانيها القاموسية، بل بحجم “الصور” الخيالية التي تثيرها في الوجدان. ويتوج هذا المحور بابتكار مفهوم “الهيبة” (Prestige)، تلك القوة الخفية التي تشل قدرة البشر على النقد، وتجعلهم ينحنون إجلالاً أو رعباً أمام الزعيم أو الفكرة، متجاوزين كل منطق عقلي.
يغلق غوستاف لو بون معمار كتابه العظيم برؤية تاريخية دائرية مأساوية وقاطعة. يخلص إلى أن الحضارات تولد عندما تنجح مجموعة من الأفراد في الاتحاد حول “مثال” أو وهم مشترك، مشكلين روحاً عرقية قوية. ولكن بمجرد أن يشيخ هذا المثال ويتآكل بفعل الزمن والنقد العقلاني المستمر، يتفتت هذا الكيان ليعود إلى حالته الأولى: مجرد حشد من الأفراد المعزولين والمتنافرين، أو بالأحرى “جمهوراً” هائماً يفتقر إلى البوصلة، مما يمهد لسقوط الحضارة. يتركنا لو بون أمام تساؤل وجودي مفزع حول مستقبل الديمقراطيات الحديثة والمؤسسات التمثيلية: هل يمكن للعقلانية المكتسبة عبر قرون من التطور أن تصمد أمام اجتياح الغرائز البدائية الكامنة في اللاوعي الجمعي؟ وهل مصير كل حضارة راقية أن تبتلعها في النهاية أمواج الجماهير العمياء التي لا تتقن سوى صناعة الفوضى؟
# مجلة إيليت فوتو آرت


