مقالي الجديد غدا, شكرا صحيفة العرب
مكتبة الأب.. النافذة الأولى على عوالم الفن
سيرة تشكّل الوعي البصري بين الكتب واللوحات ورفاق التجربة التشكيلية.
في بواكير حياتي الأولى، وأمام مكتبة أبي المكتظة بكمٍّ هائل من الكتب والروايات والقصص والمجلات، من كتاب “كفاحي” للرايخ، إلى كلاسيكيات الأدب العربي كـ “رد قلبي” ليوسف السباعي، وسلسلة جورجي زيدان وصولاً إلى بورتريه الغلاف في “فتاة القيروان”، ورسم الغلاف الأول لرواية “اللص والكلاب” للمبدع نجيب محفوظ، ومختارات ودواوين من الشعر الجاهلي، إلى جانب كمٍّ كبير من أعداد مجلة “العربي” و”العربي الصغير” عنوان الثقافة والفكر والفنون حينها, في منتصف وأواخر السبعينات استوقفني المشهد الأول حين بدأتُ أعي وأدرك وأشتغل على التذكر والاحتفاظ بالصور في وعاء الذاكرة. كان الشغف يمتلكني بالكامل وأنا أتصفح مجلة ‘العربي’ الكويتية الملونة بأعدادها الصادرة منذ نهاية الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
كنتُ أتأمل لوقت طويل جداً صفحة مميزة تحت عنوان “حضارات سادت ثم بادت”، عبارة عن لوحة تختزل قصة كاملة من روائع الفن الكلاسيكي الخالدة. أهتم بالتفاصيل الدقيقة: صور الأباطرة والملوك والأمراء والفرسان، ملامس الملابس، الأردية، الأوشحة، ونعومة ما تكشف عنه اللوحات من فتنةٍ، كأجزاء من أجساد النسوة، أو أمثولة الكمال في الجسد البشري عند الأبطال الأسطوريين، وصور المخلوقات الغرائبية والضارية في ساحات المصارعة، والمدن والقصور والأبنية ذات الطابع المتغير في كل مرة، والأسواق وطبيعة شكل الحياة في تلك الأزمان السحيقة.
ومنها، أنتقل إلى الصفحات الأخيرة التي كانت تتميز بالإعلانات، والرسوم بالأسود والأبيض، والتخطيطات السريعة. كنتُ أمرّ مروراً سريعاً على العناوين، متفادياً قراءة النصوص كاملة، لأعود وأقف وقتاً أطول أمام الصور الملونة عبر ‘استطلاعات كاميرا العربي’، مستكشفاً مدن العالم عبر وجوه الفتيات بكل دهشة وشغف في امعان النظر رغبة في الاكتشاف الأول من مناطق القوقاز التي تتوسط العالم الى اوروبا والشرق الاقصى مرورا بالبلدان العربية تنوع في سحنة الوجه واختلاف في الملامح ولون البشرة وتسريحة الشعر في الستينات والسبعينات والتنوع في الملابس والعادات، والشوارع، والأسواق، والجبال، والحقول الخضراء، والشطآن، والمرافئ، والمراكب. كل هذا الصخب البصري الصامت، كان حينها الوصلة الأهم والوحيدة بيني وبين العالم بأسره.. وأنا لم أتجاوز بعدُ الخامسة أو السادسة من عمري.
كانت الرسومات على أغلفة المجلات والكتب تستوقفني، وما يشدني صنيع التوقيع أيضاً، حيث تعرفتُ في وقت مبكر على الفنان جمال قطب عبر أغلفة الروايات والمجلات، والتخطيطات الكاريكاتيرية للفنان بهجت عثمان في اختزال الشكل وبلاغة المعنى، ورسومات الفنان حاكم الانسانية، ونصوص محمد حجي البصرية المعاصرة. كانت هذه هي الأسماء الأولى التي حفظتها ذاكرتي التشكيلية، قبل حتى أن أتعرف على رواد وكبار أصحاب روائع الفن العالمي. ناهيك عن تأثير الرسومات المصاحبة للمقالات العلمية والفكرية، كتخطيطات زاوية “وجه لوجه” أو الرسوم المرافقة للشعر والقصة، ورسومات ملحق “العربي الصغير” المليئة بالقصص المصورة.
ومع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، بدأتُ أتابع مقالات الفنان جمال قطب في مجلة ‘الدوحة’ القطرية، لأنها كانت مبسطة، واضحة، وفي مستوى بداياتي، إذ جاءت بصيغة مقالات تعريفية بالفنانين العالميين، واتجاهاتهم، ومدارسهم، وأنواعها، والتعريف بمراحل الفن العالمي.
لقد كانت الصورة دائماً هي ما يقودني إلى التأمل والفرجة، وهي ذاتها التي دفعتني لاحقاً إلى القراءة والدخول إلى عالم الكتاب، ولكن من باب الاطلاع على المنجز التشكيلي للفنانين وفلسفات الاتجاهات الفنية منذ بدايات الفن الصخري إلى عصر النهضة، مروراً بما تم إنتاجه في الفن الحديث، وصولاً إلى الفن المعاصر.
هكذا أصبحت القراءة عندي عادة مكتسبة عن طريق الصورة، وباتت اختياراتي تنحاز دائماً إلى الفن التشكيلي في الكتب والروايات، فتستهويني رواية “النفق” للروائي الأرجنتيني ساباتو التي نصحني بقراءتها في اول مرة الشاعر المبدع محمد الدنقلي قبل ان تصبح عنوانا دائما للعودة والقراءة من جديد في غرابة الصورة ودهشة العوالم التي تشكلت عند الحافة بين الرسم والكتابة , السكون والاضطراب في داخل النفس البشرية، أو رواية “السام” للكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا، وتجذبني الأفلام التي تروي سير فان جوخ، بيكاسو، وأميديو موديلياني قبل كل القصص الأخرى.
لتأتي بعد ذلك المرحلة المفصلية، والبداية الفعلية التي اشتبكتُ فيها مع الفعل التشكيلي؛ حين تعرفتُ على الفنان مصباح الكبير، الذي لم يعلمني الرسم بالمعنى الأكيد للكلمة، ولكنه علمني “كيف أنظر” إلى الفن التشكيلي. وهذه الطريقة في النظر، هي التميمة التي ارتقت بذائقتي البصرية، ومنها عبرتُ إلى ممارسة العمل الفني في مجالي الرسم والكتابة النقدية.
لقد كان مصباح الكبير هو الوصلة الأولى التي عرفتني على أسماء من التجارب العربية الرائدة؛ كفاتح المدرس، وشفيق عبود، وشاكر حسن آل سعيد، وعمر جهان، والكثير من التجارب التي كان يلتقط معلوماتها في أضيق حيز متاح عندنا حينها، وهو تلك الصحف والمجلات الشحيحة التي نادراً ما تتكرر بانتظام في دخولها إلى ليبيا في تلك الأيام.
ومع التسعينيات وبلوغ منتصفها، كنتُ على موعدٍ آخر مع كنزٍ معرفي استثنائي شكّل وعيي التشكيلي الحالي، بمفاهيمه ورؤاه العميقة حول الفن والرسم بشكل خاص. كان ذلك عبر كتب ومجلات ودراسات، وروايات وكتب فلسفة حديثة، كـ “جماليات المكان” لغاستون باشلار وعبر ترجمة غالب هلسة الباذخة، أو البحث المستمر والمتواصل عن “زمن مارسيل بروست المفقود”، وغيرها من الكنوز المعرفية المخبأة في مكتبة الفنان عمر جهان، عندما كان في مهجره بالقاهرة منذ منتصف السبعينيات. ومن حسن الطالع، أن علاقتي الوطيدة بالفنان عادل الفورتية، ابن أخ الفنان عمر جهان، قد مكنتني، رفقة زملائي من الفنانين، من الاطلاع على هذا الكم الهائل والثمين من المعرفة البصرية التي كانت تفتح لنا آفاقاً مغايرة وراء جدران العزلة، مع تلاقح أفكار طازجة ومختلفة حينها في حواراتنا التي كانت ترتقي بالجدل داخل مرسم الفنان عادل منذ تسعينيات القرن الماضي.
ولم تكن تلك الكنوز في مكتبته سوى التمهيد لـ رحلةٍ إلى القاهرة والسكون في ‘كهفيات الحبر والشمع’. هناك، كنتُ على موعدٍ مع تجربةٍ مميزة جداً فريدةٍ في متون الرسم والرؤية الإبداعية المغايرة، تجربة الفنان عمر جهان، وذلك خلال زيارتي لمرسمه ومسكنه في حي الدقي بالقاهرة سنة 1999م.
أتيح لي حينها الوقوف عن قرب على كل تجاربه الإبداعية، ونصوصه المكتوبة المصاحبة لكل معرضٍ أقامه خلال سنوات إقامته في منفاه منذ منتصف السبعينيات، والتي استمرت لأكثر من ثلاثين سنة. عشتُ تفاصيل تلك التجارب التشكيلية المعتقة من خلال أعماله الفنية في ثنايا مجموعات معارضه السابقة داخل المرسم؛ من “السكون المشمس” و”التحولات” و”كهفيات الحبر والشمع”، وصولاً إلى “بورتريه الحجرة” و”الأقنعة”. كانت كل تلك الأعمال، بلا استثناء، مسكونةً بالشاعرية، والعمق الفلسفي، والرؤية التشكيلية المعاصرة التي تركت أثرها البالغ في وعيي النقدي والبصري.
وفي ذات السياق التكويني، برزت صحبة وثيقة وقريبة جداً امتدت منذ وقت مبكر مع الفنان محمد بن لأمين؛ رفقة بدأت طفولتها على مقاعد مدرسة “مصراتة المركزية الابتدائية”، لنجتمع مجدداً بعد زمن ليس بالطويل في ثمانينيات القرن الماضي، حين قررتُ أن أصبح رساماً. كانت لقاءات المقاهي وأحاديثها الممتدة التي لا تنتهي عن الرسم والكتابة الإبداعية هي مختبرنا اليومي، ومنها انطلقت خطواتنا الأولى عبر معارض مشتركة في مصراتة وطرابلس، لتسهم تلك التجربة الجماعية، بكل يقين، في صياغة وتأسيس المشهد البصري والنقدي عندي.
وسط هذا الزخم الفني المتواصل عبر السنين والمحطات، تستحضر الذاكرةُ صورةَ صديق التسعينيات والفن، الفنان توفيق بشير العويب، التجربة الفنية التي بدت وكأنها “فاكهة الجماعة الفنية” في المدينة، تجسدت في أعماله رشاقةُ الخطوط المترعة بزخارف الروح في أدق تفاصيل حكايات النساء: الحبيبات، المعشوقات، والأمهات والجدات، متراوحةً بين السرد بالخطوط الرشيقة والكثير من التأني والتدوين بألوانه المفعمة برغبة الحياة.
لقد أثمرت تجربته رحلةً بدأت من رسوماته في عالم الطفولة وصولاً إلى فن الحدث والرسم الصحفي بمجلة “سنابل” في تسعينيات القرن الماضي، مروراً سريعاً على عجل رغم إتقانه لهذا الاتجاه من الرسم، ليَعبُر بعد ذلك نحو عوالم مأخوذة بعمق الرؤية وكانت تفضي إلى بهجة السحر.
إنها رفقةٌ نادرة صحبة الكتب والثقافة تلامس حدود الثلاثين عاماً من المعارض والسفر والمشاريع الفنية المشتركة، تظل شاخصةً كعلامة فارقة في سيرة التكوين والترحال.
عدنان بشير معيتيق
فنان تشكيلي من ليبيا
صحيفة العرب
الأربعاء 2026/10/21


