سيرة المعلّم:محمد ديب الزهر والشاعر ابن مدينة حمص.-مشاركة: رامي الدويري.

ونبتدي منين الحكاية
حمص أصل الحكاية

محمد ديب الزهر.. سيرة معلّم وشاعر من قلب حمص

من أزقة باب هود والفاخورة إلى مدارس حمص ومنابر الشعر.. حكاية رجل جعل من اللغة العربية رسالةً ومن التعليم أثراً

في مدينة حمص، المدينة التي طالما عُرفت بحضورها الأدبي والثقافي، وُلد عام 1939 رجل سيترك اسمه لاحقاً في ذاكرة التعليم والشعر والثقافة: محمد ديب عبد الرحمن الزهر.

نشأ محمد ديب الزهر في حمص، في حي باب هود – الفاخورة، بين أحياء المدينة القديمة وناسها وذاكرتها الشعبية. وهناك بدأت حكايته مع المدينة التي ستبقى حاضرة في وجدانه حتى آخر حياته.

لم يكن محمد ديب الزهر شاعراً فحسب، ولا معلماً للغة العربية فحسب؛ بل كان واحداً من أولئك الذين تداخلت في حياتهم الكلمة مع التربية، والتعليم مع الأدب، وحب المدينة مع الثقافة.

وُلد محمد ديب عبد الرحمن الزهر في حمص عام 1939، ونال مراحل تعليمه الأولى في المدينة، ثم حصل على الشهادة الثانوية عام 1960، قبل أن يتابع دراسته الجامعية ويتخرج في قسم اللغة العربية، وفق ما تورده موسوعة الشعراء عنه.

أما طفولته وشبابه المبكر، فتتصل بذاكرة حمص القديمة، وبحي باب هود والفاخورة تحديداً، وهي تفاصيل تحفظها أسرته وتشكّل جزءاً مهماً من سيرته الإنسانية.

وفي سنوات شبابه، ارتبط أيضاً بالحركة الكشفية في حمص. وتظهر صورة محفوظة في سجل كشفي قديم له وهو في مقتبل العمر مرتدياً الزي الكشفي، كما يظهر اسمه في أرشيف كشافة حمص بوصفه الكشاف الشاعر محمد ديب الزهر.

وهذه الصورة القديمة ليست مجرد صورة لشاب في زي كشفي؛ إنها صورة لمرحلة مبكرة من حياة رجل سيقضي لاحقاً عقوداً في التعليم والشعر والنشاط الثقافي.

اختار محمد ديب الزهر اللغة العربية طريقاً ومهنة ورسالة.

وبحسب ما تحفظه أسرته، فقد عمل أستاذاً للغة العربية في عدد كبير من مدارس وثانويات حمص، حيث علّم أجيالاً متعاقبة من الطلاب.

وتأتي شهادة الأديب الدكتور فرحان السليم لتقدم دليلاً مستقلاً على هذا الدور؛ ففي حوار منشور عام 2018، عندما تحدث السليم عن أهم الأساتذة الذين كان لهم أثر في تكوينه اللغوي، ذكر الشاعر محمد ديب الزهر تحديداً، وقال إنه درس على يديه في الصف الثالث الثانوي

وليس من السهل أن يبقى اسم المعلم في ذاكرة تلميذه بعد عقود طويلة، إلا أن محمد ديب الزهر كان واحداً من أولئك المدرسين الذين تجاوز أثرهم حدود الكتاب والدرس.

فالتلميذ الذي دخل صف اللغة العربية في حمص وجد أمامه شاعراً ومعلماً، ورجلًا كانت العربية بالنسبة إليه أكثر من مادة مدرسية؛ كانت جزءاً من شخصيته ومن رؤيته للحياة.

وفي مرحلة لاحقة من حياته، ووفق ما تحفظه الأسرة، انتقل إلى التدريس الأكاديمي في كلية الآداب بجامعة البعث في حمص، ليواصل رسالته التعليمية في مستوى جامعي.

وهنا تكتمل إحدى أهم دوائر حياته: فقد بدأ معلماً لأبناء المدينة، ثم أصبح جزءاً من الحياة الأكاديمية والثقافية فيها.

إلى جانب التعليم، كان محمد ديب الزهر شاعراً وأديباً حاضراً في المشهد الثقافي الحمصي.

ولم يكن حضوره الشعري عابراً؛ فقد ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بـ رابطة الخريجين الجامعيين في حمص، إحدى المؤسسات الثقافية التي كان لها دور بارز في الحياة الأدبية في المدينة.

وفي شهادة الشاعر اللبناني هنري زغيب عن زيارته لحمص ومهرجان رابطة الخريجين الجامعيين، يرد اسم محمد ديب الزهر بين أركان الرابطة والشخصيات الثقافية التي استقبلت ضيوفها، إلى جانب عدد من الأدباء والمثقفين الحمصيين. ([الشاعر هنري زغيب]

وكان مهرجان الرابطة الشعري واحداً من أهم المنابر الشعرية في حمص، وقد تحوّل عبر السنوات إلى مساحة تجمع الشعراء السوريين والعرب.

ومن أهمية حضور محمد ديب الزهر في هذا الوسط أن اسمه بقي حاضراً في شهادات شعراء الأجيال اللاحقة حتى بعد رحيله.

ففي تغطية عودة مهرجان رابطة الخريجين الجامعيين عام 2024، استعاد عدد من الشعراء المشاركين أسماء الشعراء الذين كانوا جزءاً من ذاكرة المهرجان، وكان محمد ديب الزهر واحداً من الأسماء التي تكررت في هذه الشهادات.

قال الشاعر عباس حيروقة، مستعيداً أجواء منبر الرابطة في تسعينيات القرن الماضي، إنه تخيل بين الحضور أسماء شعراء تلك المرحلة، ومن بينهم محمد ديب الزهر. كما استحضرت الشاعرة قمر الجاسم اسمه ضمن شعراء حمص الذين بقي حضورهم في ذاكرة المنبر.

وهكذا لم يكن الزهر مجرد مشارك في مهرجان؛ بل أصبح جزءاً من ذاكرة المهرجان نفسه.

كان ارتباط محمد ديب الزهر برابطة الخريجين الجامعيين عميقاً.

وتشير المصادر إلى دوره في النشاط الثقافي للرابطة، وإلى حضوره في تنظيم ورعاية الفعاليات الشعرية والأدبية.

وقد شارك في مهرجانات الشعر التي أقامتها الرابطة على مدى سنوات طويلة. وفي توثيق لمهرجان الشعر في حمص عام 2001، يرد اسمه ضمن المواد الصحفية التي تناولت المهرجان، كما تظهر صورة تجمعه بالأديب محمد غازي التدمري.

كما تظهر له مشاركة في نشاط شعري إلى جانب الشاعر هيثم الخواجة في حمص عام 1986، وهو ما يعكس امتداد نشاطه الأدبي منذ عقود مبكرة.

كانت هذه المرحلة من حياته تعكس صورة المثقف الذي لا يكتفي بكتابة الشعر، بل يشارك في صناعة الحياة الثقافية من حوله.

ومن الجوانب اللافتة في تجربة محمد ديب الزهر اهتمامه بالأجيال الجديدة.

فقد ارتبط اسمه بالفعاليات الثقافية التي كانت تمنح الشعراء الشباب مساحة للظهور، وكان حاضراً في نشاطات رابطة الخريجين التي اهتمت بالمواهب الجديدة.

وهذا الدور ينسجم مع شخصيته الأساسية بوصفه معلماً؛ فالمعلم الحقيقي لا يكتفي بنقل المعرفة، وإنما يساعد الآخرين على اكتشاف أصواتهم الخاصة.

رحل محمد ديب الزهر في 15 حزيران 2015.

وفي نعي نشرته صفحات الحركة الكشفية في حمص، نُعي بوصفه «الكشاف الشاعر محمد ديب الزهر»، في إشارة تجمع بين جانبين من حياته: بداياته الكشفية وشخصيته الأدبية.

كان رحيله نهاية حياة امتدت أكثر من سبعة عقود، عاش خلالها تحولات كبيرة في سورية وحمص، وشهد تغير المدينة التي أحبها، لكنه بقي مرتبطاً بها وبثقافتها وبأبنائها.

بعد رحيله، لم يختف اسم محمد ديب الزهر من الذاكرة الثقافية الحمصية.

فعندما عاد مهرجان رابطة الخريجين الجامعيين إلى حمص عام 2024 بعد انقطاع طويل، عاد اسمه مع أسماء شعراء حمص الذين تركوا بصمتهم في المنبر، وكأن غياب الجسد لم يلغِ حضور الإنسان في ذاكرة المكان.
وهذا ربما هو الاختبار الحقيقي لأي شاعر أو معلم أو مثقف
#حمص قصة عشق لاتنتهي
#رامي الدويري عضو الجمعية التاريخية السورية

أخر المقالات

منكم وإليكم