سورية… ليست وطناً فقط.بل صلاةٌ قديمة ما زالت تُتلى،وأسطورةُ فجرٍ لا ينطفئ- د.غسان القيم.

في سورية حيثُ لا يُقاس الزمنُ بالسنين مخ بل بطبقات الضوء المترسّبة على حجارة المعابد وبأصداء الخطى الأولى للإنسان وهو يكتشف نفسه بين التراب والسماء. هناك للتاريخ صوت ليس صوتاً يُسمَع بل يُرتَّل كما كانت ترتّل المدن القديمة صلواتها عند الفجر.
هنا التراب ليس تراباً بل أريج حضاراتٍ نامت في باطن الأرض ثم قامت كالبخور من رماد القرون.
كل حفنة من ترابها تحمل سرّ بذرةٍ أولى وأغنيةَ حصاد وهمسةَ كاهنٍ أوغاريتيّ يناجي الآلهة عند انبثاق النور.
هنا على هذه الأرض المباركة ولدت أروع إبداعات الإنسانية حين كان الإنسان السوري الأول يخطّ معجزته بصمتٍ نبيل يزرع الحلم قبل القمح ويهتدي إلى الماء كمن يعثر على سرّ الخلق. فيزاوج بين السنابل والنهر بين اليد والطين بين الشمس والرجاء.
ومن ذلك العناق المقدّس بدأ الاستقرار وبدأت الحكاية.
ومن مواقد القرى الأولى حين تصاعد دخان الحطب العتيق ممزوجاً برائحة القمح المشوي خرجت أولى الترانيم ترتعش كصوت الفجر فوق المرافئ القديمة.
هناك تمتم الإنسان بدعاء الأزل ورفع وجهه نحو السماء لا ليطلب فقط.. بل ليحاور الغيب.
وفي أوغاريت حين كان البحر يصغي والريح تحفظ الأسرار انبثقت الأسطورة كأنها تنفّس الأرض نفسها. هناك غنّى الإنسان أول نشيد
لا للحرب
بل للخصب
للمطر
للحب
للتجدد الذي يعود كل ربيع.
هناك صار الصوت صلاة والكلمة نوراً. والكتابة معجزة تنحدر من أصابع الطين.
يا سورية..
يا فجر الحضارات.. يا وتر القيثارة الأولى منك ابتدأت حكاية الإنسان حين تعلّم أن يحوّل التراب خبزاً
والماء حياة
والصوت ترنيمة.
منك خرجت المعجزة تمشي على قدمين من طين ونور.
كأنني أسمع فجراً أوغاريتيّاً يتنفّس من بعيد:
مباركةٌ الأرض التي أنبتت القمح والنشيد
مباركةٌ اليد التي رفعت الدعاء مع أول شمس.
ومباركةٌ البلاد التي جعلت من الإنسان أسطورة حيّة.
وهكذا تبقى سورية… ليست وطناً فقط.
بل صلاةٌ قديمة ما زالت تُتلى
وأسطورةُ فجرٍ لا ينطفئ.

عاشق أوغاريت…غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

أخر المقالات

منكم وإليكم