من ضفاف الخابور إلى وهج القاهرة… ثم ملكة على تدمر حكاية المبدعة سلوى سعيد في منتصف الخمسينيات، غادرت فتاة كردية صغيرة مدينة القامشلي السورية متجهة إلى القاهرة، حاملة حلمها في حقيبة صغيرة وموهبتها في عينيها البريئتين. كان الطريق شاقاً، لكنها تعلمت في المعهد العالي للفنون المسرحية سراً ثميناً أتقنته لدرجة الإتقان: اللهجة المصرية، حتى باتت تخدع المشاهدين والنقاد معاً.وقفت أمام عمر الشريف في فيلم “الناس اللي تحت” عام 1960، فظنها الجمهور فتاة مصرية، ثم توالت الأدوار، وبلغت ذروة تألقها عندما لعبت دور خطيبة فؤاد المهندس في فيلم “عائلة زيزي”، لتثبت أن فتاة من أقصى الشمال السوري يمكنها أن تصبح نجمة كوميدية في هوليوود الشرق. بدا أن المستقبل يحمل لها المزيد من الأضواء، لكنها فاجأت الجميع بعد نكسة 1967، وعادت إلى سوريا في لحظة كانت بمثابة ولادة جديدة.في دمشق، كتب القدر أجمل فصول حياتها. في حفل استقبال أُقيم على شرف عودتها، كان الفنان طلحت حمدي جالساً مع صديقه يتحدثان بالكردية عن جمالها، معتقدين أنها لا تفهم. وفجأة اقتربت منهم سلوى وسألتهما بالعربية الفصحى بابتسامة ماكرة، لتخبرهما أنها فهمت كل كلمة. كانت هذه البداية المدهشة لقصة حب جمعتهما لسنوات، وجعلت منهما ثنائياً فنياً لا يُنسى.مع انتقالها إلى الدراما السورية، بدأت مرحلة جديدة ومشرقة في مسيرتها. في عام 1969، شاركت في مسلسل “مذكرات حرامي” من إخراج علاء الدين كوكش . لكن اللحظة الأكثر سحراً في رحلتها جاءت عام 1974، حين جسّدت شخصية الملكة زنوبيا في مسلسل “انتقام الزباء” . تلك الفتاة التي غادرت القامشلي لتحلم بالقاهرة، وقفت على الشاشة العربية وهي تجسّد ملكة تدمر بكل جلالها ووقارها، وكأنها تكمل دائرة القدر. كان الدور الأغلى في مسيرتها، وحفر اسمها في ذاكرة الدراما السورية إلى الأبد.لم تتوقف عند هذا الحد، بل تألقت في الدراما البدوية أيضاً، فشاركت في مسلسل “وَضحا وابن عَجْلان” عام 1975، ثم في “متعب الشقاوي” عام 1977 بدور “جواهر بنت الحميدي” . كما شاركت في مسلسلات أردنية بدوية مثل “دمعة على الرمال” . وفي عام 1985، قدّمت دور البطولة المطلقة في مسلسل “أخو سعدى” . واصلت عطاءها الدرامي في التسعينيات بمشاركات لافتة في مسلسلات مثل “دواس الليل” عام 1996، و”مذكرات عائلة” و”البحر أيوب” عام 1998 مع جمال سليمان وخالد تاجا، ليكون آخر أعمالها مسلسل “هذا قراري” عام 2000 .والمدهش في هذه المرأة أنها لم تكن ملكة هادئة تقف عند حدود التوقعات. في الوقت نفسه، كانت تمتلك جرأة فنية نادرة، فخاضت مغامرات سينمائية جريئة في أفلام مثل “المغامرة” و”الحب الحرام”، متنقلة بسلاسة بين عرش تدمر وغواية السينما، وكأنها تقول للجميع إنها ممثلة لا تخاف شيئاً، ولا تترك دوراً يستحق التجربة إلا وتخوضه.حتى رحيلها في التاسع من تموز عام 2000، تركت سلوى سعيد أكثر من أربعين عاماً من الفن، وإرثاً يحكي قصة امرأة عاشت ثلاث حيوات في حياة واحدة: نجمة في القاهرة، وملكة في دمشق، ومغامرة لا تهدأ.#سوريات_souriat# مجلة ايليت فوتو ارت


