سقراط: الرجل الذي علّمنا أن نسأل
كيف صار الاعتراف بالجهل أول طريق الحكمة
المقال الخامس من سلسلة «جذور المعرفة»
تخيّل رجلاً يمشي في سوق أثينا حافياً، يوقف الناس واحداً بعد آخر ويسألهم: ما العدل؟ ما الشجاعة؟ ما التقوى؟ يجيبه أحدهم بثقة، فيسأله سؤالاً آخر، ثم آخر، وبعد دقائق يكتشف المجيب أنه لا يعرف ما ظنّ أنه يعرفه. يخرج من الحوار منزعجاً أو متفكراً، وربما الاثنين معاً.
ذلك هو سقراط. ولم يكن عنده جواب جديد يقدّمه للعالم، بل كان عنده شيء أخطر: طريقة في السؤال تهزّ اليقين الزائف. وفي هذا المقال نتعرف على الرجل الذي نقل الفلسفة من التأمل في الطبيعة إلى التأمل في الإنسان نفسه.
من السماء إلى السوق
رأينا في المقالات السابقة فلاسفة انشغلوا بسؤال: مم يتكوّن العالم؟ لكن في أثينا القرن الخامس قبل الميلاد، تغيّر الاهتمام. كانت أثينا مدينة ديمقراطية نشطة، يتجادل فيها المواطنون في السياسة والقانون والأخلاق، ويأتيها معلمون متجولون يُسمّون السفسطائيين، يعلّمون الخطابة والإقناع مقابل أجر.
وفي هذا المناخ ظهر سقراط (نحو 470 إلى 399 ق.م)، فاختار أن يوجّه السؤال إلى مجال آخر: كيف ينبغي أن يعيش الإنسان؟ ما الفضيلة؟ ما الخير؟ هل يمكن تعلّم الأخلاق؟ وتروي التقاليد القديمة، ومنها ما نقله شيشرون، أنه «أنزل الفلسفة من السماء إلى المدن والبيوت». وهي عبارة تلخّص التحوّل: من الكون إلى الإنسان.
رجل لم يكتب شيئاً
لم يكتب سقراط كتاباً واحداً. وكل ما نعرفه عنه جاء من غيره، وأهمهم أفلاطون تلميذه، وكسينوفون المؤرخ، ثم أرسطو الذي كتب عنه، وأريستوفانيس الذي سخر منه في مسرحية «السحب». وهذه الصور لا تتطابق تماماً، حتى إن الباحثين يتحدثون عن «المسألة السقراطية»: كم في صورة سقراط الذي نعرفه من سقراط التاريخي، وكم منها من تصوّر أفلاطون؟ والمرجّح أن في حواراته مزيجاً من الاثنين.
كان فقيراً بسيط المظهر، وتصفه الروايات بأنه لم يكن وسيماً. وأدّى الخدمة العسكرية في عدد من المعارك، ويُروى عنه شجاعة وتحمّل. وقضى معظم وقته في الأماكن العامة يحاور من يلقاه، دون أن يتقاضى أجراً، خلافاً للسفسطائيين.
أحكم الناس لأنه يعرف أنه لا يعرف
تروي «دفاع سقراط» لأفلاطون قصة محورية: سأل أحد أصدقائه كاهنة معبد دلفي، موضع الوحي الأشهر عند اليونانيين، هل يوجد أحكم من سقراط؟ فأجابت أنه لا أحد. استغرب سقراط، فهو لا يرى نفسه حكيماً. فقرر أن يختبر الوحي: يبحث عن رجل أحكم منه ليثبت أن الكاهنة أخطأت.
سأل السياسيين، فوجدهم يظنون أنهم يعلمون ولا يعلمون. وسأل الشعراء، فوجدهم يكتبون أجمل الكلام دون أن يستطيعوا شرح معناه. وسأل الحرفيين، فوجدهم أتقنوا حرفهم لكنهم ظنوا أن إتقانها يمنحهم المعرفة بأعظم الأمور. فخلص إلى أنه أحكم منهم في شيء واحد: هو يعرف أنه لا يعرف، وهم لا يعرفون أنهم لا يعرفون.
وشاع تلخيص هذا المعنى في عبارة «أعرف أنني لا أعرف شيئاً». وهي صيغة مبسّطة لما قاله، فالمقصود ليس إنكار كل معرفة، بل التواضع أمام ما لم نتحقق منه، والانتباه إلى الفرق بين أن تعرف وأن تظن أنك تعرف.
الحوار السقراطي: فن الأسئلة
أما طريقته فتُسمّى «الحوار السقراطي» (Socratic method). وهي لا تعطيك جواباً جاهزاً، بل تسألك أسئلة تكشف تناقضات تفكيرك، حتى تصل بنفسك إلى فهم أدق.
خذ مثالاً مبسّطاً مستوحى من أسلوبه، ولا يُنقل حرفياً من حواراته:
- سقراط: هل الشجاع من لا يخاف شيئاً؟
- المحاور: نعم، هكذا أظن.
- سقراط: وهل من يقتحم خطراً لا يدرك حقيقته، فلا يخاف لأنه يجهل، شجاع أم متهوّر؟
- المحاور: متهوّر على الأرجح.
- سقراط: إذن هل تحتاج الشجاعة إلى معرفة؟
لاحظ كيف انتقلنا من تعريف بسيط إلى فهم أعمق، بالسؤال وحده. لم يلقِّن سقراط محاوره شيئاً، لكنه قاده إلى أن يرى حدود تعريفه. ويقال إنه شبّه نفسه بالقابلة: أمه كانت قابلة، وهو يساعد الأفكار على الولادة في عقول الآخرين، دون أن يضع فيها شيئاً من عنده.
وكثيراً ما تنتهي حواراته بحيرة، لا بجواب نهائي، ويسميها الباحثون «الأبوريا». وقد يبدو هذا محبطاً، لكنه عند سقراط خطوة إيجابية: فأن تعرف أنك لا تعرف هو الشرط الأول لأن تبدأ البحث بصدق.
المحاكمة: ثمن السؤال
لم يحبّ الجميع هذه الأسئلة. فمن كُشف جهله أمام الناس لا يشكر من كشفه. وفي عام 399 ق.م، وكانت أثينا قد خرجت من هزيمة في الحرب وفترة اضطراب سياسي، اتُّهم سقراط بتهمتين: إفساد الشباب وعدم الإيمان بآلهة المدينة مع ابتداع آلهة جديدة. ويرى المؤرخون أن الدوافع السياسية والاجتماعية كانت حاضرة أيضاً، إذ ارتبط اسم بعض تلاميذه بشخصيات أثارت غضب الأثينيين.
أدانته هيئة محلفين كبيرة بفارق ليس كبيراً من الأصوات، ثم حُكم عليه بالإعدام. وتروي «محاورة أقريطون» أن أصدقاءه عرضوا عليه الهرب، وكان ذلك ممكناً، لكنه رفض، لأنه رأى أن من عاش في ظل قوانين مدينته فلا يليق به أن ينقضها حين تحكم عليه. وفي «محاورة فيدون» صوّر أفلاطون يومه الأخير: ناقش الروح مع أصدقائه، ثم شرب السمّ، وهو الشوكران، بهدوء.
وتبقى هذه القصة موضع تأمل لا يهدأ: هل كان سقراط شهيد الحرية الفكرية؟ أم أن أثينا كانت تدافع عن نفسها في ظرف مضطرب؟ يختلف الدارسون في ذلك، لكنهم يتفقون على أن موته جعله رمزاً للفيلسوف الذي لا يساوم على ما يراه حقاً.
سقراط في حياتنا اليوم
لا تزال طريقة سقراط حية في ميادين كثيرة. فهي تُستعمل في التعليم حين يسأل المعلم طلابه ليستخرجوا الجواب بأنفسهم، وفي القانون حين يستجوب المحامي الحجة حتى تنكشف ثغراتها، وفي العلاج النفسي حين يساعد المعالج الشخص على فحص أفكاره بالأسئلة، وفي التفكير النقدي عموماً.
وبوسعك أن تمارسها بنفسك، فهي في متناول كل واحد منا. قبل أن تتبنى رأياً، اسأل نفسك:
لماذا أعتقد هذا؟ ما دليلي؟ هل سمعتُه من مصدر موثوق أم لأنه يريحني؟ وماذا لو كنت مخطئاً؟
وهذه الأسئلة الأربعة لا تضمن لك الصواب، لكنها تضمن أنك لن تتمسك بفكرة دون أن تفحصها. وهي أيضاً درس في التواضع في زمن يعلو فيه صوت اليقين السريع على وسائل التواصل.
خاتمة: حكمة تبدأ بالاعتراف
لم يترك سقراط نظاماً فلسفياً ولا كتاباً ولا مدرسة. ترك سؤالاً وموقفاً: أن الحياة التي لا تُفحص لا تستحق أن تُعاش، كما نقل عنه أفلاطون في «دفاع سقراط». وفي هذه العبارة قوة ودعوة، وإن كان فيها أيضاً ما يحتمل النقاش.
لقد بدأ طاليس بتفسير الطبيعة بالطبيعة، وجاء سقراط ليوجّه الفحص إلى الإنسان نفسه. وسيأتي تلميذه الذي صدمه إعدامه، فيبني على سؤال أستاذه صرحاً فلسفياً هائلاً، ويسأل: إن كانت الأفكار التي نختلف في تعريفها كالعدل والخير موجودة، فأين توجد؟ وفي المقال القادم نلتقي أفلاطون وأسطورة الكهف.
الحكمة تبدأ حين تعترف بما لا تعرفه.
سؤال للتأمل: ما فكرة كنت واثقاً منها، ثم اكتشفت حين سُئلت عنها أنك لم تفهمها جيداً؟
#فهم_الفلسفة_دليل_مبسط#المدرسة الرواقية#مجلة ايليت فوتو ارت.


