سطح الماء يعكس الاشياء ولا يكذب..هو ظاهرة التنوير على التكتوك وادعاءات الوعي.

… ماني سامي دعوه لوحده ينظر في البحيرة

في زحام الضجيج الرقمي، حيث يتصارع الجميع على فتات الانتباه، يقف طائفةٌ من “مدّعي المعرفة” على منصاتِ التيك توك، يرفعون رايات التنوير والوعي ، ويلبسون ثوب المفكّرِ المصلح ، بينما تكشف ساحاتُهم المفتوحةُ أنهم لم يتجاوزوا حدودَ البقالةِ الفكريةِ التي يتبادلون فيها علب المعلومة المعلّبة بتاريخ انتهاء قديم …

وما يحيرُ حقاً ليس وجود الصغار التافهين يتصارعون على لقمة المشاهدات ،،، فهذا شأن السوق ودورانه. المحيّر حقاً هو أن “كبارَ المعرفة” المزعومين قد نسخوا نفسَ المسرحية الصبيانية، ولبسوا لها ثوباً أنيقاً من المصطلحات الرنانة ،، وتبادلوا الاتهاماتِ بالجهل والسرقةِ الفكريةِ في حروبٍ لا تقلُّ سخافةً عن حروبِ المراهقينَ على “الترند”، لكنها تفوحُ منها رائحةُ الرياءِ الأكاديميِّ والادعاءِ المعرفيِّ و وصل بهم الحال لتقليد أصوات بعضهم بطريقة تدعوا إلى الإقياء وخصوصاً من قشري لا يعرف ألف باء صناعة النكتة

… تجّار التنوير ،، بفاتورةٍ مرفقة

العجيبُ أن هؤلاءِ “المفكرينَ” يتحدثونَ عن نبلِ الأفكارِ وعن رسالةِ المعرفةِ وعن ضرورةِ نشرِ الوعي… ثم يمدّونَ أكفَّهم للمنصاتِ وللمعلنينَ وللرعاةِ، ويضعونَ المعرفةَ في واجهةِ المتجرِ الرقميِ : “اشترك الآن”، “ادعم القناة”، “الرابطُ في الوصف”. وكأنّ الفكرةَ النبيلةَ — إذا صدقتْ نبالةُ صاحبها — تحتاجُ إلى “سعرٍ” كي تسري في العروقِ! (( كبس كبس )) تسلمي جلالة الملكة حمالة الحطب ….

إنْ كانتِ الأفكار نبيلة حقاً، فلماذا تُباع وتُشترى؟ ولماذا تُحاطُ بجدرانِ الاشتراكاتِ المدفوعةِ والامتيازاتِ الحصريةِ؟ أليستِ المعرفةُ النبيلةُ كالماءِ والهواءِ، حقّاً لكلِّ عابرِ سبيل؟ أم أن “النبل” عند هؤلاءِ يبدأُ من حيثُ تنتهي المجانية ؟؟؟

… حروب “المعرفة”… بلا معرفة

ثم انظر إلى تلك الحروبِ الدائرةِ بين “المثقفينَ” على التيك توك: هذا يهاجمُ ذاك بسببِ جمهورٍ سرقه، وذاك يرد بفيديو كشف الحقائق” عن الآخر، وثالث ينشر “الفضيحةَ الفكريةَ” لخصمِه. والأدهى أنهم يتقاتلونَ على “الجمهورِ” كما يتقاتلُ تجارُ السوقِ على الزبائنِ، ويتبارونَ في إرضاءِ الخوارزمياتِ كما يتبارى الممثلونَ على أدوارِ البطولةِ. فأين المعرفة من هذا كله؟ وأين نبلُ الأفكار من ضجيج المناكفات ؟؟

إنّ من يبيعُ فكرَه للجمهورِ، ثم يغضبُ حينَ يذهبَ الجمهورُ إلى غيرِه، إنما يكشفُ أنه لم يكن يملكُ فكراً أصلاً، بل كان يملكُ “علامةً تجاريةً” تبحثُ عن سوقٍ.

… ماني سامي ،،، دعوهُ لوحده ينظر في البحيرة

وهنا مربطُ الفرسِ. إنّ هذا النوعَ من “مدّعي المعرفةِ” — الذي يجعلُ من المعرفةِ بضاعةً، ومن التنويرِ تجارةً، ومن الفكرِ مسرحاً هو الذي يستحقُّ أن يُقالَ له: “ماني سامي، دعوهُ لوحده ينظر في البحيرة”. أي اتركوهُ وحده مع انعكاسِ صورتِه في الماءِ، فلعلّهُ يرى حقيقةَ وجهِه، لا الوجهَ الذي يرسمُه للكاميرا. فالبحيرةُ — كما تعلمُ — لا تجاملُ أحداً، تعكسُ ما تراهُ لا ما يُدّعى تكشف قدرتك على إخفاء اضطراباتك النفسية

إنّ من يزعمُ أنه يحملُ مشعل المعرفة ، ثم يقايض هذا المشعلَ بالدولارِ، إنما هو بائعُ دخانٍ في سوق مزدحم بالدخانِ. ومن يزعمُ نبلَ الأفكارِ ثم يمارسُ صبيانيةَ الحروبِ على المشاهداتِ، إنما هو طفلٌ يلعبُ دورَ الكبارِ في مسرحٍ مفتوح …

… أتون اللافا الماجما ،،

إنْ كنتَ يا هذا “مفكراً” حقاً، فأثبتْ ذلك بأمرينِ: أولهما أن تكونَ معرفتُك مجانيةً خالصةً لوجهِ المعرفةِ، لا تبتغي بها ثمناً ولا رياءً. وثانيهما أن ترتفعَ عن حروبِ الصغارِ، فلا تدخلْ في مهاتراتٍ مع من لا يشبهونك في الدعوى، فإنّ الصقرَ لا يقاتلُ العصافيرَ على حبةِ قمحٍ.

أما من يزعمُ المعرفةَ ويبيعُها، ويدّعي النبلَ ويصارعُ عليه كما يصارعُ الباعةُ على رصيفِ السوقِ، فذاكَ هو أولى الناسِ بأن يُقالَ له: “ماني سامي، دعوهُ لوحده ينظر في البحيرة”… فلعلّهُ يرى أن الماءَ لا يكذبُ، وأنّ الانعكاسَ أصدقُ من كلِّ الفيديوهاتِ.

وكما قال أحدُ الحكماءِ: “إذا أردتَ أن تعرفَ حقيقةَ الرجلِ، فانظرْ ماذا يفعلُ حينَ لا يراهُ أحدٌ… أو بالأحرى، حينَ لا يربحُ من وراءِ ما يفعل.”

فيا أيّتها المعرفة المأجورة… لا تُسمَّى معرفة … ويا أيّها النبلُ المباع… لا يُسمَّى نبلاً … (( فركة أدن ناعمة )) … RAMI

أخر المقالات

منكم وإليكم