سر الحكمة الإلهية …تجربة الموت الوشيك

في أواخر ستينيات القرن الماضي، لاحظ الطبيب الأمريكي رايموند مودي أن عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين ماتوا سريريًا ثم عادوا إلى الحياة، يروون قصصًا متشابهة عمّا شاهدوه في تلك اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت.

وقد دفعه هذا التشابه المثير إلى إجراء دراسة معمقة حول الظاهرة، نشرها لاحقًا في كتابه الشهير “الحياة بعد الحياة” (Life After Life) سنة 1975، بعد أن جمع أكثر من 1500 شهادة لأشخاص مرّوا بما يُعرف اليوم بـ تجارب الاقتراب من الموت.

بدأ مودي بتحليل القواسم المشتركة بين هذه التجارب، فلاحظ أن كثيرين ممن عاشوا الموت السريري وصفوا أحداثًا متشابهة رغم اختلافهم الثقافي والديني.

من أبرز ما سجله أن معظمهم رأوا أنفسهم يغادرون أجسادهم، بعضهم رأى الأطباء وهم يحاولون إنعاشه، ثم وجدوا أنفسهم داخل نفق مظلم في نهايته ضوء ساطع.

غمرهم جميعًا شعور عميق بالسكينة والسلام والراحة، واختفى لديهم الإحساس بالألم.

بعضهم قال إنه التقى بأقارب راحلين، وآخرون تحدثوا عن مخلوقات روحية لم يعرفوها، فيما ذكر البعض أنهم شاهدوا شريط حياتهم كاملاً يمر أمام أعينهم أثناء عبورهم النفق، قبل أن يعودوا فجأة إلى الحياة.

أثارت دراسة مودي جدلًا واسعًا في الأوساط العلمية، لكن الغموض ازداد أكثر مع قصة الجراح الأمريكي إيبن ألكساندر، الذي عاش تجربة مماثلة وأصدر كتابه الشهير “برهان على الجنة: رحلة جرّاح أعصاب إلى العالم الآخر” (Proof of Heaven).

لم يكن ألكساندر طبيبًا عاديًا، بل عالم أعصاب يفهم بدقة كيفية عمل الدماغ، مما منح تجربته وزنًا خاصًا في المجتمع العلمي.

ففي عام 2008 أُصيب بالتهاب سحايا بكتيري حاد أدى إلى توقف نشاط دماغه بالكامل، وأعلن الأطباء وفاته دماغيًا. لكن بعد عدة أيام من الغيبوبة، عاد إلى الحياة بمعجزة.

بعدما أفاق، روى ألكساندر تفاصيل مدهشة: رأى نفسه في نفق مظلم يقوده إلى ضوء ساطع، وتحدث مع كائنات روحية يغمرها الحب والرحمة. 

قال إنه كان في عالم لا ألم فيه، كله راحة وسعادة.

الأغرب من ذلك أنه وصف بدقة أحداثًا جرت حوله في المستشفى أثناء غيبوبته، في وقت لم يكن فيه أي نشاط دماغي يمكن أن يفسّر وعيه بما حدث.

غيّرت هذه التجربة قناعاته جذريًا، فكتب مؤكدًا أن الوعي لا يعتمد على الدماغ المادي وحده، بل له وجود مستقل، وأن تجربته دليل على أن الحياة لا تنتهي بالموت.

وقد أحدثت أفكاره هذه جدلًا كبيرًا بين العلماء ورجال الدين على حد سواء.

ومن أشهر الحوادث في منطقتنا العربية، ما رواه السياسي الفلسطيني الراحل صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، الذي توقّف قلبه أثناء عملية زرع رئة في أمريكا لمدة ثلاث دقائق وعشرين ثانية.

حين سُئل عمّا رآه، رفض بدايةً أن يتحدث خوفًا من أن يُتهم بالهلوسة، لكنه بعد فترة، في مقابلة تلفزيونية قبل وفاته بشهور، قال إنه رأى نفسه داخل نفق يتجه نحو ضوء ساطع، وهناك أشخاص يعرفهم يلوّحون له، حتى أمره كائن ما بالعودة، فاستيقظ فعلاً من غيبوبته.

قال عريقات إنه شعر في تلك اللحظة بأنه بلا جسد، وأنه أصبح يؤمن بوجود حياة بعد الموت.

من الناحية الطبية، يُعرَّف الموت السريري بأنه توقف القلب والتنفس، وبالتالي انقطاع الدم عن الدماغ.

ورغم أن الدماغ يبقى نشطًا لبضع دقائق بعد توقف القلب، فإن هذا النشاط يكون غير طبيعي.

خلال هذه الفترة، يتدخل الأطباء بوسائل الإنعاش القلبي (CPR) لإعادة ضخ الدم. بعض المرضى يُكتب لهم النجاة، وآخرون يفارقون الحياة.

أما التفسير العلمي لهذه الظاهرة، فيشير إلى أن نقص الأوكسجين في الدماغ يسبب زيادة في نشاط المناطق المسؤولة عن الرؤية والإحساس، كما يُفرز الدماغ كميات كبيرة من الدوبامين والسيروتونين، ما يولّد شعورًا بالسلام والسعادة.

وقد أثبتت تجارب على الحيوانات أن الدماغ يظل نشطًا حتى بعد توقف القلب، وقد ينتج تجارب حسية غريبة.

لكن رغم هذه التفسيرات، تبقى الأدلة غير حاسمة، لأن التجربة نفسها يصعب تكرارها علميًا.

وفي المقابل، ظهرت أبحاث حديثة تشير إلى أن الوعي قد يكون منفصلًا عن الدماغ، ما أعاد النقاش حول وجود الروح.

فبعض العلماء في مجال الأعصاب يرون إمكانية وجود شكل من الوعي لا يعتمد على التركيب العصبي المادي.

ومن أبرز من تناول هذا الطرح العالم روبرت لانزا، الذي ربط بين الوعي وفيزياء الكم، معتبرًا أن هناك مجالًا غير مادي يربط بين جميع الكائنات الحية، وأن الوعي يمكن أن يستمر حتى بعد فناء الجسد.

وترى الديانات والفلسفات الروحية أن تجارب الاقتراب من الموت ليست سوى برهان جديد على أن الوعي لا يفنى بالموت، وأن هناك عالمًا آخر ينتظر الإنسان بعد رحيله عن الدنيا.

#مجلة إيليت فوتو آرت 

أخر المقالات

منكم وإليكم