📖 ميثوس – الأساطير اليونانية تُحكى من جديد – ستيفن فرايماذا لو لم تكن الأسطورة مجرد حكاية قديمة ماتت مع الآلهة التي سكنتها، وإنما طريقة بشرية قديمة لفهم أنفسنا قبل أن نتعلم كيف نفسر العالم بلغة العلم والفلسفة؟من هنا يمكن الدخول إلى كتاب «ميثوس» لستيفن فراي، الصادر بالإنجليزية سنة 2017، وهو إعادة سرد معاصرة لعدد من أشهر الأساطير اليونانية. لكن فراي لا يتعامل مع هذه الحكايات بوصفها آثاراً متحفية ينبغي نقلها بحذر شديد من الماضي إلى الحاضر، بل يعيد ضخ الحياة فيها، ويمنحها لغة ساخرة وحيوية قريبة من القارئ المعاصر، من دون أن يفقدها غرابتها وسحرها.واللافت أن عالم «ميثوس» ليس عالماً مثالياً تسكنه آلهة كاملة. على العكس تماماً؛ إن آلهة الأولمب تحب وتكره، تغار وتنتقم، تكذب وتخدع، ترغب وتشتهي، وتدخل في صراعات تشبه إلى حد بعيد صراعات البشر. زيوس ليس إلهاً بعيداً عن ضعف الإنسان، وأفروديت ليست مجرد تجسيد للجمال، وأثينا لا تظهر فقط بوصفها إلهة الحكمة، بل داخل شبكة معقدة من السلطة والصراع والرغبة والانتقام.وهنا تكمن إحدى قوة الأسطورة اليونانية: إنها لم تصنع آلهة بلا عيوب، بل صنعت آلهة تكشف عيوب البشر في صورة مضخمة.حين نرى زيوس متورطاً في صراعاته ورغباته، أو كرونوس خائفاً على سلطته، أو هيرا غاضبة وغيورة، فإننا لا نقرأ فقط قصة عن آلهة قديمة؛ إننا نرى انعكاساً مبكراً للإنسان وهو يحاول أن يفهم السلطة والرغبة والخوف والموت والحب.ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الأساطير قابلة لإعادة الحكي جيلاً بعد جيل. فالأسطورة لا تعيش لأن أحداثها وقعت بالفعل، وإنما لأنها تقول شيئاً عن الإنسان يظل قابلاً لإعادة الاكتشاف.تأمل مثلاً قصة بروميثيوس، الذي سرق النار ومنحها للبشر. يمكن قراءة الحكاية بوصفها قصة عن المعرفة والتحرر والعقاب؛ الإنسان الذي يحصل على قدرة جديدة يتجاوز بها حدوده القديمة، لكنه يدفع ثمناً لذلك التجاوز. وهنا تبدو الأسطورة وكأنها تسبق أسئلة الحداثة نفسها: هل المعرفة تحرر الإنسان دائماً؟ وهل كل قدرة نكتسبها تحمل معها مسؤولية جديدة؟وفي قصة باندورا، حين يُفتح الوعاء وتخرج الشرور إلى العالم، نجد واحدة من أقدم المحاولات السردية للإجابة عن سؤال شديد القِدم: لماذا يوجد الشر والألم في عالم نرغب في أن يكون صالحاً؟أما بيرسيفوني، التي تُقتاد إلى العالم السفلي، فالحكاية لا تتوقف عند الخطف والمأساة، وإنما تفتح أبواباً للتفكير في الفقد، والانفصال، والموت، ودورة الحياة. وكذلك قصة إيروس وسايكي، التي تجعل الحب اختباراً للثقة والفضول والرغبة والغيرة، لا مجرد قصة رومانسية جميلة.وهنا يأتي دور فراي تحديداً. إنه لا يريد أن يحوّل الأسطورة إلى درس جامد في التاريخ القديم، بل يعيدها إلى طبيعتها الأولى: حكاية تُروى.ولهذا فإن أسلوبه جزء من مشروع الكتاب. الفكاهة والسخرية واللغة المعاصرة ليست مجرد زينة أسلوبية، بل وسيلة لإزالة المسافة الزمنية بين القارئ وبين عالم يبدو للوهلة الأولى بعيداً جداً عنه. لقد وصف الناشر إعادة فراي بأنها حيوية ومرحة وذات صلة إنسانية عميقة بالحاضر، بينما رأى بعض النقاد أن هذه الحيوية نفسها تجعل بعض الأساطير تبدو وكأنها تنتمي إلى عالمنا المعاصر أكثر مما ينبغي.وهذه ملاحظة مهمة؛ لأن إعادة سرد الأسطورة ليست فعلاً محايداً. عندما يعيد كاتب معاصر حكاية قديمة، فإنه لا ينقلها فقط، بل يختار كيف نراها. إنه يحدد أين يضحك القارئ، ومتى يتعاطف، وأي شخصية يمنحها مساحة أكبر، وأي معنى يبرزه. ولذلك فإن «ميثوس» ليس نسخة جديدة من الأساطير اليونانية بقدر ما هو قراءة ستيفن فراي لها.وهنا تظهر علاقة الأدب بالذاكرة. فكل جيل يعيد كتابة الماضي لكي يستطيع أن يتحدث عن حاضره. هوميروس وهسيود وأوفيد وغيرهم تركوا روايات وصوراً مختلفة للعالم الأسطوري، ثم جاء كتاب ومسرحيون وفنانون في عصور لاحقة ليعيدوا تشكيل هذه المادة وفق أسئلتهم الخاصة. وفراي ليس استثناءً؛ إنه حلقة جديدة في تاريخ طويل من إعادة اختراع الأسطورة.وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نسأل فقط: «هل ما يرويه فراي هو الأسطورة الأصلية؟» فليس هناك دائماً نص واحد ونهائي يمكن تسميته «النسخة الأصلية» لكل الأساطير اليونانية. هناك تقاليد ونصوص وأشعار وروايات متعددة، تتقاطع أحياناً وتختلف أحياناً أخرى. وما يفعله فراي هو أن ينتقي من هذا التراث ويعيد بناءه في سرد واحد قابل للقراءة في عصرنا.وهنا تصبح الأسطورة أكثر من قصة عن الماضي؛ تصبح طريقة لفهم الحاضر.فالإنسان المعاصر، رغم كل ما حققه من علم وتكنولوجيا، لم يتخلص من الغيرة والحب والخوف والطموح والرغبة في السلطة والخوف من الموت. تغيرت الأدوات، وتغيرت المدن والملابس واللغات، لكن شيئاً عميقاً في الإنسان ظل يبحث عن الحكاية التي يستطيع من خلالها أن يرى نفسه.ربما لهذا لم تمت الأساطير عندما ماتت آلهتها.لقد انتقلت فقط من المعابد إلى الكتب، ومن الكتب إلى المسرح والسينما والرواية، ثم إلى المسلسلات والألعاب والوسائط الرقمية. وكل مرة تعود فيها الأسطورة، فإنها ترتدي ملابس عصر جديد، لكنها تحمل معها شيئاً من سؤال الإنسان القديم عن نفسه.وهنا تكمن قيمة «ميثوس»: ليس لأنه يخبرنا بما كان اليونانيون القدماء يؤمنون به فحسب، بل لأنه يجعلنا نكتشف أن المسافة بين الإنسان القديم والإنسان المعاصر أقل مما نتخيل.فالأسطورة قديمة، لكن أسئلتها ليست كذلك.نحن ما زلنا نبحث عن الخلود مثل جلجامش، ونخشى السلطة مثل كرونوس، ونطارد المعرفة مثل بروميثيوس، ونخاف الفقد مثل ديميتر، ونغامر بالفضول مثل باندورا، ونختبر الحب والثقة مثل إيروس وسايكي.وربما لهذا السبب لا تحتاج الأسطورة إلى أن تكون «حقيقية» بالمعنى التاريخي حتى تكون صادقة بالمعنى الإنساني.فقد لا تكون الآلهة قد سكنت الأولمب فعلاً، لكن الإنسان الذي اخترعها كان يحاول أن يقول شيئاً حقيقياً عن نفسه.وهنا يصبح «ميثوس» أكثر من إعادة سرد للأساطير اليونانية؛ إنه تذكير بأن الإنسان كان يحكي القصص قبل أن يمتلك النظريات، وأنه ربما كان يحاول من خلال الأسطورة أن يفهم ما ستأتي الفلسفة والعلم لاحقاً لمحاولة صياغته بلغة أخرى.فالأسطورة لا تموت حين يتوقف الناس عن تصديقها؛ إنها تعود كلما احتاج الإنسان إلى حكاية .
#على دروب الفلسفة#مجلة ايليت فوتو ارت.

