زهرةالياسمين البيضاء ضحكة دمشق وعطر ازقتها الفواح.

الياسمين الشامي: قصة زهرة صغيرة صنعت هوية مدينة زهرة تسافر عبر الزمنقبل أن تعرف دمشق باسم “مدينة الياسمين”، وقبل أن تصير هذه الزهرة البيضاء أيقونة للشام، كانت هناك رحلة طويلة بدأت في مكان بعيد جداً.في جبال القوقاز، حيث الرياح الباردة والثلوج، كانت شجيرات الياسمين البرية تنمو في صمت. وفي سفوح الهيمالايا، حيث الحضارات القديمة، كانت أزهارها البيضاء تتفتح كل ربيع. لم تكن تعلم أنها ستسافر آلاف الكيلومترات لتصبح جزءاً من هوية مدينة لن تطأها يوماً.لكن الرحالة والتجار كانوا يعرفون سرها. كانوا يقطفون أغصانها في الصباح الباكر، ويضعونها في حقائبهم الجلدية، ويواصلون السير. كانت الأغصان تذبل ثم تجف، لكن عطرها كان يبقى.هكذا بدأت رحلة الياسمين إلى العالم في معابد الفراعنة في عمق الصحراء المصرية، داخل مقابر وادي الملوك، عثر علماء الآثار على شيء غريب. كان هناك أكاليل من زهور بيضاء صغيرة لا تزال محفوظة على رؤوس الملوك والملكات، رغم مرور آلاف السنين.كان المصريون القدماء يسمون هذه الزهرة “آسمين”.لم يكونوا يعلمون أن هذه الكلمة ستعبر القرون لتصبح “ياسمين” في كل اللغات. كانوا يضعونها على صدور موتاهم كي ترافقهم في رحلتهم الأبدية، ويقدمونها للآلهة في المعابد. كانت الزهرة البيضاء رمزاً للحياة بعد الموت، والنقاء الذي لا يزول.ومن مصر، انتشر الياسمين مع التجار والغزاة. عبر سيناء إلى فلسطين، ثم صعد شمالاً حتى وصل إلى دمشق.هناك وجد وطنه الحقيقي. دمشق تحتضن ياسمينهالا أحد يعرف على وجه اليقين متى زرعت أول شجرة ياسمين في دمشق. ربما كان ذلك في العصر الروماني، حين كانت دمشق مدينة مزدهرة على طريق التجارة. أو ربما في العصر الأموي، حين كان الخلفاء يبنون القصور ويحوطونها بالحدائق.المهم أنها وجدت تربة خصبة وماءً عذباً ومناخاً مناسباً، فاستقرت وتكاثرت وانتشرت.بدأ الدمشقيون يلاحظون شيئاً غريباً: هذه الزهرة البيضاء الصغيرة كانت تزهر في الليل. حين تغرب الشمس وتهدأ المدينة، كانت البراعم تتفتح واحدة تلو الأخرى، حتى تكتسي الشجيرة كلها بالبياض. ومع أول نسمة هواء مسائية، كان العطر ينتشر في الأزقة الضيقة، يدخل البيوت من النوافذ المفتوحة، يملأ المدينة كلها برائحة لا تشبهها رائحة.أصبحت ليالي دمشق مختلفة من ذلك اليوم.كان الناس يفرشون الحصر تحت شجيرات الياسمين، ويتناولون عشاءهم على ضوء القمر. كانت الأمهات تضع زهور الياسمين تحت وسائد الأطفال كي تنام هانئة. كان العشاق يتواعدون في الأماكن التي يفوح فيها العطر. وكان المسافرون إذا غابوا عن دمشق، تبقى رائحة الياسمين عالقة في أنوفهم، تذكرهم ببيوتهم كلما هب نسيم في بلاد الغربة. أسرار الياسمين التي اكتشفها الدمشقيونمع السنين، تعلم الدمشقيون أسرار هذه الزهرة.عرفت الجدات أن وضع زهور الياسمين على الجبين يخفف الصداع. كانت تدلك رأس الحفيد المتعب بالأزهار البيضاء، وتهمس بدعوات لا يفهمها الصغير، لكن الألم كان يزول.اكتشف العطارون في سوق الحميدية أن زيت الياسمين إذا دلك به المفاصل، خفف آلام الروماتيزم. كانوا يجمعون الأزهار عند الفجر، قبل أن تذبل تحت الشمس، ويضعونها في قوارير زجاجية مع زيت الزيتون. كانوا يتركون القوارير أربعين يوماً تحت ضوء القمر، ثم يصفون الزيت في قوارير صغيرة يبيعونها للحرفيين والعمال الذين يتعبون في النهار.اكتشفت الأمهات أن مغلي الياسمين بالعسل يطرد البلغم ويدفئ الصدر في ليالي الشتاء. كانت تغلي الأزهار البيضاء مع قشر الليمون والعسل، وتعطي الشراب الساخن للأطفال قبل النوم. كان الأطفال ينامون قريرين، والسعال لا يوقظهم في الليل.اكتشف الجميع أن مجرد الجلوس تحت شجرة ياسمين بعد يوم عمل طويل كان كافياً ليزيل التعب. كانوا يقولون: “الياسمين بياخد الهم”. ولا يعلمون أنهم كانوا يصفون حقيقة علمية قبل أن يكتشفها العلماء بقرون. الياسمين في حضرة الشعراء لم يستطع الشعراء المقاومة. كان لا بد أن يكتبوا عن هذه الزهرة التي تسرق قلوبهم كل مساء.في بيت قديم بمزة دمشق، كانت هناك شجرة ياسمين زرعتها والدة نزار قباني قبل أن يولد بخمس سنوات. نشأ الشاعر الكبير تحت ظلها، وكان إذا توقف عن الكتابة، يرفع رأسه إلى الياسمين المتدلي من سقف الحديقة، يعانق زهوره بعينيه، ثم يعود ليكتب.كتب نزار:”يا ياسميناً فوق جدران دمشق… علمني كيف يكون العشق… كيف يموت المرء من شوق… وكيف يحيى المرء من شوق… فوق جدران دمشق”كان يعرف أن الياسمين ليس مجرد زهرة. كان يعرف أنه روح المدينة.وكتب شاعر دمشقي آخر:”في دمشق، كل شيء معطر… حتى الحجارة تفوح ياسميناً… حتى الذكريات حين تستيقظ في الصباح… تجد نفسها مغطاة بندى الياسمين”وصار الياسمين في الشعر السوري مرادفاً لدمشق نفسها. إذا قال الشاعر “ياسمين”، فكأنما قال “دمشق”. وإذا قال “دمشق”، فكأنما قال “ياسمين”. زهرة تصنع التاريخ مع مرور السنين، لم يعد الياسمين مجرد نبات في حدائق دمشق. صار جزءاً من تاريخها.في أوائل القرن العشرين، حين كان الدمشقيون يهاجرون إلى الأمريكتين بحثاً عن الرزق، كانوا يأخذون معهم أغصان ياسمين صغيرة. كانوا يضعونها في حقائبهم مع الملابس والصور، وعندما يصلون إلى نيويورك أو ساو باولو أو بوينس آيرس، كانوا يزرعونها في أصص صغيرة على شرفات بيوتهم الجديدة.تحكي إحدى العائلات الدمشقية في المهجر قصة عجيبة. جدتهم التي غادرت دمشق في الثلاثينيات، قطعت غصناً صغيراً من ياسمين بيتها في باب توما. في أمريكا الجنوبية، زرعته في أصيص صغير. وكبر الغصن وصار شجيرة. ثم قطعت منه أغصاناً وزرعتها لأولادها. ثم قطع الأولاد أغصاناً وزرعوها لأولادهم.اليوم، بعد مئة سنة تقريباً، هناك عشرات البيوت في ثلاث قارات مختلفة، فيها ياسمين أصله من غصن واحد من باب توما. وكأن الياسمين يقول إن دمشق لا تموت، إنها فقط تسافر مع أهلها.سر الياسمين الذي اكتشفه الغرب بينما كان الدمشقيون يعرفون أسرار الياسمين بالفطرة، كان الغرب يكتشفها بالعلم.في مختبرات ألمانية، كان باحثون يدرسون تأثير الروائح على الدماغ. فوجئوا عندما وجدوا أن رائحة الياسمين تؤثر على الجهاز العصبي بطريقة تشبه تأثير المهدئات، لكن بدون آثار جانبية. اكتشفوا أن استنشاق عطر الياسمين قبل النوم يحسن جودته بنسبة تفوق الأدوية المنومة.في جامعة أمريكية، قارن باحثون بين تأثير الياسمين واللافندر على النوم. كانت النتيجة صادمة: الذين استنشقوا الياسمين ناموا أسرع من الذين استنشقوا اللافندر، واستيقظوا بنشاط أكبر.اكتشفوا أيضاً أن زيت الياسمين يحتوي على مركبات تقتل البكتيريا، وتخفف الالتهابات، وتوازن الهرمونات.في فرنسا، في منطقة غراس التي تعتبر عاصمة العطور في العالم، كان صانعو العطور يعرفون قيمة الياسمين منذ قرون. كانوا يشترونه من دمشق بأغلى الأثمان، ويخلطونه مع أرقى العطور. كانوا يعرفون أن زيت الياسمين الدمشقي مختلف عن أي ياسمين في العالم. مزيج التربة البركانية وماء بردى وهواء الغوطة يصنع ياسميناً لا يتكرر. الياسمين في زمن الحرب جاءت الحرب السورية. كانت الأيام صعبة، والأصوات قاسية، والمشاهد مؤلمة.لكن شيئاً غريباً كان يحدث.في أكثر أيام دمشق سواداً، حين كانت أصوات القذائف تملأ الأجواء، كان عطر الياسمين ما يزال يملأ شوارعها القديمة. الزهرة البيضاء كانت تتفتح كل مساء، وكأنها تقول لأهلها: أنا باقية، فلا تحزنوا.كانت هناك صور تتداولها الناس: صورة لثائر يضع غصن ياسمين خلف أذنه. صورة لبيت مدمر لا تزال شرفة ياسمينه معلقة في الهواء. صورة لطفلة تبيع أكاليل الياسمين غير آبهة بالحاجز العسكري .يقول أحد الصحفيين الذين غطوا الحرب: “رأيت أشياء لا توصف في دمشق. لكن أكثر ما بقي في ذاكرتي هو ذلك العطر الذي كان يفاجئك في أكثر الأماكن تدميراً. في حي الميدان، حيث كانت المباني مدمرة، كان هناك ياسمين يتسلق على جدار نصفه قائم. كنت أقف وأنظر إليه وأشتم عطره، فأشعر أن دمشق لن تموت أبداً.”وكتب شاعر سوري في تلك الأيام:”يقولون دمشق احترقت… لكن الياسمين لا يحترق… الياسمين يولد من تحت الرماد… كل مساء… كل مساء…” رحلة الياسمين إلى العالممن دمشق، انطلق الياسمين إلى كل مكان.في الصين، صار جزءاً من طقوس المساء. يخلطون زهوره مع الشاي الأخضر، ويشربونه في نهاية اليوم كي يهدئ أعصابهم ويساعدهم على النوم. يقولون عنه إنه “شاي السلام”.في الهند، يعتبر الياسمين زهرة مقدسة. يقدم في المعابد، وتتزين به العرائس في شعورهن، وتعلق أكاليله على أبواب البيوت الجديدة كرمز للبركة.في المغرب العربي، يزرع في كل حديقة، وتقدم أغصانه للضيوف كترحيب. تقول عائلة مغربية: “إذا دخل بيتك ضيف ولم تقدم له ياسمين، فكأنك لم ترحب به.”في فرنسا، يدخل في أغلى العطور. زجاجة عطر صغيرة قد تحتوي على آلاف الزهور الدمشقية، وتحمل سعراً يفوق سعر الذهب.لكن يبقى الياسمين الشامي مختلفاً. كما يقول خبراء النبات: الياسمين الذي يزرع في دمشق له رائحة خاصة لا تتكرر. مزيج التربة والماء والهواء يصنع ياسميناً لا يشبهه ياسمين. علم الياسمين بالأرقام هناك أرقام تحكي قصة الياسمين بطريقة مختلفة:لإنتاج كيلوغرام واحد من زيت الياسمين، تحتاج إلى ثمانية ملايين زهرة.ثمانية ملايين زهرة تقطف باليد، في ساعات الفجر الأولى، حين تكون في ذروة عطرها.كل زهرة تعيش يوماً واحداً فقط. تتفتح مع المساء، وتعيش ليلتها، ثم تذبل مع شمس الصباح. لكن في يومها الوحيد، تملأ الدنيا عطراً.شجرة الياسمين الواحدة قد تعيش لأكثر من عشرين عاماً. وفي ذروة إزهارها، تنتج آلاف الأزهار كل يوم.زيت الياسمين من أغلى الزيوت في العالم. سعره قد يصل إلى آلاف الدولارات للكيلو غرام الواحد.لكن الدمشقيين لا يشترون زيت الياسمين. هم فقط يجلسون تحت أشجاره كل مساء، ويستنشقون العطر مجاناً. هذا هو الفرق بين من يملك المال ومن يملك الياسمين. زهرة لا تموتما زالت دمشق تعرف بمدينة الياسمين. ما زالت شرفاتها العتيقة تتوشح بالأبيض كل مساء. ما زالت نساؤها يقطفن الزهور في الصباح، ويضعنها في كؤوس الماء على النوافذ.ما زال عشاقها يكتبون عنها. هذا هو الياسمين الشامي. عطر وجرح لا يندمل.جرح جميل لا يريد الدمشقيون أن يندمل أبداً. لأنه يذكرهم بكل ما يحبون.في كل ليلة دمشقية، حين تغرب الشمس ويهدأ العالم، تبدأ آلاف الزهور البيضاء بالتفتح. يتسلق عطرها الجدران، يدخل من النوافذ، يملأ الشوارع الضيقة. وفي تلك اللحظة، يعرف كل من في دمشق أن المدينة لا تزال حية.أن الياسمين لا يموت.وأن دمشق ستبقى، ما بقي الياسمين.كلما مررت في ليلة دمشقية، واستنشقت عطر الياسمين المتسلق على الجدران، تذكر أنك تستنشق آلاف السنين من الحضارة والحب والألم والأمل.#سوريات_souriat# مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم