زلزال اللاذقية في سنة 1796م المدمر
إعداد المحامي أيمن يحيى حمدو
في 26 أبريل 1796، شهدت مدينة اللاذقية واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية في تاريخها، بعدما ضربها زلزال مدمر بلغت قوته نحو 6.8 درجة على مقياس ريختر، شعر به السكان بشدة من حلب شمالًا إلى صيدا في لبنان جنوبًا، وتبعته هزات ارتدادية كثيرة كان هذا الزلزال جزءًا من نشاط زلزالي كبير على طول صدع البحر الميت (Dead Sea Transform)، الذي يمتد عبر سوريا ولبنان والأردن وفلسطين.
وقع الزلزال في في تمام الساعة الثالثة عصراً، واستمر نحو دقيقة واحدة، كانت كفيلة بتحويل المدينة إلى أنقاض. وانهار ثلث اللاذقية بالكامل، فيما تعرضت بقية أحيائها لأضرار بالغة، وسط تقديرات بمقتل ما بين 1500 إلى 2000 شخص من إجمالي عدد السكان الذي لم يتجاوز 5000 نسمة آنذاك.
و قد وصف مؤرخون تلك اللحظات بأنها كانت الأكثر قسوة في تاريخ المدينة، حيث انهارت أحياء كاملة، خاصة المنطقة الممتدة من وسط اللاذقية حتى البحر. واضطر السكان إلى الفرار والإقامة في البساتين تحت الخيام لفترات طويلة، خوفًا من الهزات الارتدادية.
وامتد تأثير الزلزال إلى المناطق المجاورة، حيث دُمّرت قرى كاملة في سهل النهر الكبير الشمالي، و ادعى صيَّادو الأسماك الذين كانوا قرب مصبِّ نهر (الكبير) عند وقوع الهزَّة أنَّهم رأوا مياه النهر تفيضُ على كلا الضفَّتين. وهناك من رأى شقوقاً في الأرض. وادَّعى آخرون أنَّ الأرض انشقَّت في أماكن كثيرة وعادت وانغلقت.
كما شهدت مدينة جبلة انهيار معظم منازلها، وجفاف آبار المياه نتيجة التشققات الأرضية، فيما تعرض الساحل الممتد بين جبلة والبقاع لدمار شبه كامل.وتعرّضت كل من قلعة المرقب وقلعة القدموس للتدمير بشكل كامل.
و في مقتطف من رسالة بعث بها السيد “بورفيل”، نائب قنصل الجمهورية الفرنسية في اللاذقية، بتاريخ 20 يوليو من السنة الرابعة (وفق التقويم الجمهوري الفرنسي):
((لقد دمر زلزال مروع هذه المدينة المنكوبة بالكامل تقريباً. لقد بدأت الهزات في 16 يوليو، وتوالت الأيام التي شهدت هزات متكررة، بما في ذلك هزة قوية سبقت ذلك بـ 86 يوماً، مع تفاوت في الاتجاهات (شمالاً وجنوباً) وتعدد في الهزات. لا يزال الكثير من الناس محاصرين تحت أنقاض منازلهم القديمة. وقد تضررت الغرف -لا سيما الطوابق العليا- بشدة، بما في ذلك المسكن الرئيسي الذي يقيم فيه الفرنسيون في هذه المدينة.
لقد تهدم جزء كبير من المساجد، ومن المرجح أن تنهار المباني التي تضررت هياكلها بالفعل جراء الهزات السابقة.
وتجري حالياً عمليات تفتيش وفحص للمنازل لتقييم الأضرار واتخاذ التدابير اللازمة للحيلولة دون وقوع حوادث جديدة.
وعندما تقع الهزات، ينهار البناء نحو الداخل (يسقط نحو قاع الغرفة). وقد أدى الزلزال إلى دمار شامل في بلدة “جبلة” (Gibellet) الصغيرة، وانهيار العديد من المنازل في طرطوس وطرابلس بسوريا)).
وأشار رحالة إنجليزي زار المدينة عام 1813 إلى أن عدد سكانها تراجع بشكل ملحوظ بعد الكارثة، ليتراوح بين 3 و4 آلاف نسمة فقط، ما يعكس حجم الخسائر البشرية والهجرة التي أعقبت الزلزال.
و يشير الرحالة دي كورانسي (1816) إلى آثار ذلك الدمار الذي خلفه الزلزال فيقول : ((مدينة تمتد على شاطئ البحر، والأراضي التي تحيط بها مغطاة بالحدائق .. اعمدة الغرانيت مازالت موجودة، أما المرفأ فقد أغلق من جراء تراكم رواسب السور، وبقايا الرصيف، وترسبت الحجارة في قاعه)).
و يحدثنا الاستاذ جبرائيل سعادة عن الآثار الكارثية للزلزال الذي قسم اللاذقية إلى كتلتين معماريين متباعدتين هما حي خي المرفأ و قصبة المدينة القديمة فيقول : ((في العهد العثماني كان حي المرفأ في اللاذقية مع ما يتضمن من دوائر حكومية ومكاتب تجارية ومستودعات يشكل مجموعة عمرانية مستقلة عن المدينة نفسها التي كانت أبنيتها آنذاك لا تتجاوز غربا الخط الذي يعادل اليوم شارع هنانو . اذ ان البقعة الممتدة بين هذا الخط والبحر والتي كانت مأهولة من العهد اليوناني حتى العهد البيزنطي ، قد تضررت أكثر من غيرها من الزلازل التي تعرضت لها اللاذقية في القرون الوسطى والجدير بالذكر أنها أصبحت بعد زلزال (1796 ) وهو اعنف زلزال عرفته مدينتنا ) مكسوة بالكروم والبساتين)) .
لم تتوقف تداعيات الزلزال عند حدود الدمار، بل امتدت إلى المجال السياسي. إذ تشير روايات تاريخية إلى أن والي طرابلس، الذي كانت اللاذقية تتبعه إداريًا، حاول فرض الضرائب على الأهالي رغم الكارثة.، وأوفد إليهم متسلِّماً اسمه (محمَّد بن العكَّاش) مع مهمَّة تحصيل الضريبة المستحقَّة على المدينة كما كلِّ عامٍ، فأدَّى وصولُ هذا المتسلِّم في أعقاب الزلزال إلى غضبُ سكان المدينة بشكلٍ واضحٍ وقد أخذ رئيسُ نقابة تجارة التبغ المسمَّى (إبراهيم آغا أبو بلطة) على عاتقه تسوية الأمر مع الحفاظ على مصالح المدينة. وبمساعدة تجَّارٍ آخرين في المكان، تمكَّن من جمع الأموال المطلوبة من ضواحي اللاذقـيَّة، وخاصَّةً في مناطق (باير)، و(البسِّيط)، و(صهيون)، و(بيت الشلِّف). وبهذه الطريقة تمكَّن من دفع المبلغ الذي يطلبه المتسلِّم. والذي غادر المدينة في حزيران 1796م
و انتهت تداعيات زلزال 1796 بقيام رجل يدعى “حنا كبة”، بإنهاء تبعية المدينة لطرابلس، و كان ذلك حين تمكن من اقناع سكان اللاذقية بضرورة رفع عريضة الى الباب العالي يطلبون فيها جعل اللاذقية متسلمية خاصة وتربط العاصمة مباشرة و قد استجاب الباب العالي لطلب اهالي اللاذقية , بعد ان تمكن ( ميخائيل ديب ) وهو رجل حلبي له مكانة في اسطنبول من اقناع اولي الامر بشرعية طلب اهل اللاذقية وضرورته , وصار ( حنا كبة ) متسلما فيها.
و تحدثنا وثيقة تاريخية نادرة عن تلك الكارثة و هي عبارة عن رسالة من علي بك الأسعد المرعبي، متسلم طرابلس واللاذقية، إلى السلطان العثماني محمود الثاني، يصف فيها زلزالًا مدمرًا ضرب المنطقة عام 1822، مستعيدًا أيضًا ذكر زلزال 1796.
وتصف الرسالة مشاهد مروعة، منها خروج البحر عن مجراه لمسافة كبيرة، وانهيار القرى والجسور، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، إضافة إلى تدمير معالم بارزة مثل خان الدخان، الذي قُتل فيه مئات الأشخاص.
كما أشارت الوثيقة إلى تشكيل لجان شرعية لحصر الوفيات وتوزيع الإرث، في محاولة لتنظيم آثار الكارثة، وهو ما يعكس حجم الدمار الذي أصاب المجتمع بأكمله.
ومن الأمور الهامة التي تحدثت عنها الوثيقة تفاصيل عن زلزال اللاذقية المُدمر في العام 1796 وهدم خان الدُخان ومقتل آغا الدخان زيوار أحمد آغا الكمركجي مع أتباعه : [ …… وسابقاً في سنة الاثني عشر حصلت زلزلة مثل هذه وراح جملة مخاليق ومن الجملة انهد خان كمرك الدخان قتل فيه زيوار أحمد آغا الكمركجي يوم اذن بحريمه وأتباعه وقتل بالخان سبعماية وخمسين نفر وانهد الخان على الإطلاق وفيما بعد عمرته الدولة العلية والآن أفندم الخان انهد وبقي منه شيء يسير ……]
وتشير مصادر تاريخية إلى أن الزلزال لم يكن حدثًا معزولًا، بل كان بداية لسلسلة من الكوارث والتغيرات الإدارية في المنطقة. ففي عام 1821 تقلص نفوذ طرابلس، ثم تعرضت المنطقة لزلزال آخر عام 1822، قبل أن تدخل تحت حكم إبراهيم باشا عام 1832، وفي عام 1865 أصبحت جبلة قضاءً إداريًا مستقلاً
المصادر
الياس صالح اللاذقية : آثار الحقب في لاذقية العرب
ياسر صاري : صفحات من تاريخ اللاذقيَّة
جبرائيل سعادة: المختصر في تاريخ اللاذقية
حنَّا كبّة حاكم اللاذقـيَّة إعداد: جبرائيل سعادة
تعريب: فؤاد نعمة نشرها و نوه لها مضر كنعان
جبرائيل سعادة : من كنوز اللاذقيَّة المجهولة قصة بناء اثري
حسنى حنا : اللاذقيَّة في آدب الرحلات – الرحالة الاوربيون
محمد عبد الكريم يوسف: الزلازل التاريخية في سوريا، تحليل للزلازل الكبيرة والمتوسطة من عام 1365 ق.م. إلى عام 1900 م.
الحوار المتمدن 2026 / 6 / 18
علام رحمة “معالم اللاذقية المفقودة في محاضرة لجمعية العاديات”. الوحدة. اللاذقية، سوريا. 8 ديسمبر 2020. مؤرشف من الأصل في 2023-09-30. اطلع عليه بتاريخ 2023-09-30 – عبر wehda.alwehda.gov.sy.
Sbeinati، Mohamed Reda؛ Darawcheh، Ryad؛ Mouty، Mikhail (2005). “The historical earthquakes of Syria: an analysis of large and moderate earthquakes from 1365 B.C. to 1900 A.D.” (PDF). Annals of Geophysics. ج. 48 ع. 3: 374–375. مؤرشف من الأصل (PDF) في 2023-09-29.
Stiros، Stathis C. (2022). “Earthquakes, tsunamis, dried harbors and seismic coastal uplift: evidence from the Eastern Mediterranean”. Mediterranean Geoscience Reviews. ج. 4 ع. 3: 319–328. DOI:10.1007/s42990-022-00079-8. S2CID:250286320.
#اللاذقية #تاريخ_سوريا #زلازل #التراث_السوري #DeadSeaTransform#مجلة ايليت فوتو ارت


