في تحطيم بنية الخزف.. ريادةُ فض الاشتباك بين الحِرفة والفن
تصادفُ في الخامس والعشرين من نيسان، الذكرى الخامسة لرحيل الفنان طارق إبراهيم، المولود في بغداد عام 1938، في مغتربه بمدينة فيلادلفيا الأميركية، وقبل شهر، مرت الذكرى العشرون لرحيل الفنان سعد شاكر المولود في بغداد عام 1935، الذي توفي في العاصمة الأردنية عمّان في الثالث والعشرين من آذار 2005، وكلاهما يُعتبران من مُجدّدي فن الخزف العراقي لما رسماه من مسلك ريادي عَبَّدَ الطريق لأسلافهما من فنانين نقلوا الخزف من حرفة صناعية إلى فضاء فني مُشبّع بالرؤيا.. فهل مَثــُـلَ الخزف أمامَ مُفترق طرق؟ وهل يمكن له أن يكون فناً مُؤثراً يطرح رؤىً وتشابكات إبداعية تُثير الجدل؟ وهل بإمكان هذا المجال التعبيري أن يتصدى لتغيّرات الحِس الإنساني المعاصر؟تساؤلاتٌ مُربكة طبعت الساحة الفنية العراقية بملامح التطرّف، وهي في مُجملها لا تقدِّم حِواراً يرتقي بالذائقة الفنية إلى ذرى الحداثة، بل تُفتِّت عَضدَ تراثٍ فني خالد إمتدت جذورُه الإبداعية إلى حضارات سومر وأكد وبابل وآشور، فعبر مراحل زمنية متلاحقة، سار الخزف باتجاهٍ نفعي واستعمالي محض، وحين اتجه صوبَ التزيين، ازدادت هجمة المُتطرفين شراسةً، فراحوا يُطلقون أحكامهم علانية، مُدّعين أنه حرفةٌ لا تتطلّب سوى المَهارة والصنعة، وقد تداول الوسط التشكيلي العراقي في حقب سابقة أسئلة عدة بشأن مصير “الخزف”؛ هل هو فنٌ أم حرفة!في تقاطع الرؤيا والبنيةما الذي يحققه فنانٌ إصطفى لدانةَ الطين تعبيراً، وتزجيجَه لوناً؟ في العراق، يمكننا الإشارة إلى جهد ريادي قدّمه فنانان طليعيان، في هذا المعترك، فقد سعى الخزّافان “سعد شاكر” و”طارق ابراهيم” إلى ترتيب تقاطعاتٍ مُعَرَّفة مع ما هو مطروحٌ في بنية الخزف كصنعةٍ، وكتوّجهٍ فني في آن معاً، ليُحَرِّفَا من خلال هذه التقاطعات اتجاهَ تقنيات صناعة الخزف بمحور جديد يستلفت الانتباه، وكانا يُبشّران بتعاليم جديدة لهذا الفن الذي بدا وكأنه يفتقد بعضاً من بريقِه الحِسّي، فتحوّل إلى مُقترحات تزيينية تبتغي ترميم المحيط المعيشي بإكسسوارات لا تُقيم اعتباراً إلا لمدياتها النفعية المُحدّدة.. وبتقاطعِهما الذهني مع هذا الاتجاه، طرح كل من شاكر وابراهيم استعارات حديثة لتلوين الطين بأكاسيد يصعُب التعاملُ معها تقنياً، وذلك بزيادة حِدة إدغام اللون المُزجَّج، ووضع حدود قاسية لالتماعات الخزف، فيصبح أكثر إخماداً وعتمة، أو عبر تأليف طبقات لونية خاصة بأعمالهما لا نجدها في أعمال فنانين آخرين، رغم أن هذا المنحى التزجيجي من شأنه إرباك أُبّهة الخزف الشائع، والسير به في ممرات قد تُثير حفيظة التقليديين، لأنه يتقدم بأنسجة خزفية قلّت مثيلاتها. أفقٌ معماري وآخر نحتيوضع شاكر وابراهيم تجربتيهما في الخزف أمام تحدٍّ فني لوحدةِ البنية الخزفية المُتعارف عليها، كتلاً طينية، ألواناً مُزجّجة، أنسجةً فنية، وتوجّهاتِ رؤيا إبداعية.. وزادا وتيرةَ اختباراتهما كلما إزدادت الهجمة على فنيّة تشكيل الطين، مُتأملَينِ نتاجاتهما بتحفيز قوة الفعل الكامن في هذه المادة اللدنة، التي أحالا كُتلَها إلى تكوينات بيتية يسكنُها صمتُ التحوّلات الزمنية، فهما يُثيران في هذه التكوينات الروحَ المُتألقة التي تبثها منجزات التأريخ المعمارية.. ويتقابل هنا مُنجزا “الخزف” و”العمارة” كونهما أشدَّ تلاحُماً من غيرهما في تقديم صورة المفردة الحياتية الوظيفية أو الاستعمالية التي سنَّها الإنسان منذ فجر الخليقة.. أعمالُ هذَين الفنانَين تقدم ترسيخاً جازماً لوحدة البنية الفنية، حين تتضح فيها لمحةٌ معمارية بصياغة خزفية، يُضاف إلى هذا إصرارهما، كمُبدعَينِ منفصلَين، على ترجمة رؤيتهما الفنيتَين، باستثمار الجانب التاريخي للمادة، فجاءت خزفياتهما على شكل لُقىً آثارية أو مُتشبِّهةً بشواهد آثارية معمارية.. على هذا النحو، جاءت أعمال شاكر وإبراهيم مُشبعة بالاتزان الفني في ابتكار هذه التقابلات التي لا تُشبهُ الخزف، وقد يكون للتكوين النحتي تأثيرٌ كبير على إبداعاتهما التي تضخ الإحساس المُرهف بالمادة المُجسّمة، في مسعى لتقديم مقترح جمالي في صناعة قطعة الخزف، على أساس الاعتماد الكلي على خصائص التجسيم، أي تفجير البعد الثالث لكتلة الطين، من خلال التركيز على إضافة ملامح فنون “النحت” و”العمارة” إلى “الخزف”.وحدة المشهد المدينيفي عام 1989، جاء معرض الخزف الذي أقامه الفنان طارق ابراهيم في قاعة الأورفه لي ببغداد متزامنا مع اشتداد التساؤلات الفنية المتناقضة عن حِرَفية أو فنية الخزف، وأعتقد أن الأعمال التي تضمنها هذا المعرض قدّمت إجابة شافية، بعد أن عمل إبراهيم وفق رؤيا تكوين المشهد الجمالي في الإنشاء المديني أو الحضري، ولعلنا نتحسس هيبة الفضاء المعماري الذي يُكوّن المادة الأساس في توليف ذلك المشهد، وقصدية عرضه بهذا الأسلوب، وكأن الفنان يُقدّم (ماكيت) لمقتطع حضري من معمارية مدينة، ولكن أي مدينة؟ إذ تتكامل بنائية المشهد المديني، وتتضح صفات توافقيته وتناغمه بأجزائه التي تمثل وحَدات منفردة، أو بكليته، فهو يُشدد على وحدة هذا المشهد مُبتدِئاً من الكل المُتكامل، أي أن كلية عمل المشهد الخزفي الذي يؤلف المعرض، تعتمد بالدرجة الأولى على تناغم وحداته المتمثلة بقطع خزفية مستقلة تمتلك مواصفات العرض الانفرادي – وهذا تماثل مع منهجية العرض الخزفي – فيما يكون بناء الأجزاء الذي يمثل الكل، وتناغميتها، كوحداتٍ منفصلة، قد شكّلا رؤيا فنية معاصرة لا تمت بصلة لمبدأ النفعية أو الاستعمالية المحضة التي يحققها الخزف- وهذا تقاطع فريد مع منهجية العمل الخزفي- فتلك هي اللمحة الجديدة التي تمخضت عنها رؤيا طارق ابراهيم حين أخرج، بمهارة حاذقة، أعماله الخزفية من مجالها، وأدار، بمخيلته الإبداعية، دفة عمله التقني.. الريادة ومستويات الخزف منذ البدايات، سار شاكر وإبراهيم نحو تعميق جذر الفكرة الجمالية التي حَدَت بهما لتقديم هذا المقترح الخزفي الراجح، فبعد تخرجهما في معهد الفنون الجميلة ببغداد في خمسينيات القرن الماضي، وتتلمذهما على يد عَرّابَي الحداثة الفنية في العراق، فائق حسن وجواد سليم، كانا يُركّزان بالدرجة الأساس على حركة كتلة الطين عمودياً، أي أنهما لا يتشظيان في توزيع مسارات حركة الكتلة، ويتعاملان معها على إفتراض أنها نشاط معماري سامق، وينشران حركته الأفقية باتزان متقن تميل فيها تقابلات الحركة العمودية وتوافقياتها باتجاه يُصَعِّد مُدركات الإحساس بمعمارية البناء التقليدي للمدينة الأثرية.. فأي هوس تربع على ذهنية هذين الفنانين الذَين أخذا من روح التراث العراقي ما يكفي لتطويعه وفق حداثة التصنيع المعاصر، حينما انخرطا في الستينيات في دورتين تدريبيتين على تقنيات الخزف، سعد شاكر في بريطانيا، وطارق إبراهيم في الصين، فعادا مُشبّعَين بثقل تقني سَهَّل عليهما مهمة إحالة المادة الخزفية إلى صياغات معمارية تأخذ من محتوى النحت تكوينها الفني، وهي تمتد وسط استلهامات تاريخية تخضع مؤشراتها إلى حضارة البناء الطيني التي يُقيم فيها ضرباً جديداً لهذا التمازج الفريد بين مستويات ثلاثة هي؛ الخزف كصناعة خارجية تمثل الأغلفة واللمسات النهائية والقشور الصقيلة للكتلة الطينية الصماء، ومحتوى المشهد المديني الذي تضخه معمارية الإنشاء، والسياق النحتي الذي يسير بالكتلة ومحتوياتها إلى تاريخ تراثي زاخر. يبغي طارق ابراهيم تشييد مدينته الخزفية ضمن مقاسات الطين البريء بلا إضافات تكنولوجية، ويلقي بأنسجتها المتعددة ومستويات بنائها، صعودا ونزولاً، على أرضية مقفرة ليقيم إتزاناً تشكيلياً يضمن للخزف مَقاماً جديداً، ويجعل من الطين أداة لمزاولة الفعل التاريخي-الحضاري، كما تمكن من بتر صلاته الفنية التي تضمه مع جيل فني كامل، لاسيما اذا علمنا انه الفنان الخزاف الوحيد في جماعة “الرؤيا الجديدة” التي ضمت مُصممين ورسامين لهم رؤيتهم الجديدة فعلاً في صياغة العمل الفنى وتوجّهاته، فيما يتقدم سعد شاكر باقتراح متفرّد الصياغة في جعل عناصر بناء المادة الخزفية تنحو في نموها الفني منحىً استفزازيا لفحوى وظيفة الخزف السائدة، حين طوّر الحس التجريدي لمفخوراته التي بدت هندسية أكثر مما ينبغي، بعد أن أعلن قطيعته مع بنية الخزف التقليدي منذ زمن ليس بالقصير قياساً بزمن تجربته الفنية. القُصور .. إشكالية الطرحسر العمل الإبداعي يكمن في طبيعة ما يُولّده فينا من انفعال إنساني من تكوينه الفني بالدرجة الأساس، وعليه، سنكون في غنى عن مناقشة مقولة “هل الخزف حرفة أم فن؟” فالخزف – كبقية المجالات الفنية – قد يكون حرفة، وقد يكون فناً، وهنا تكمن الإجابة، يكون حرفة حين ينحو باتجاه الاستعمالية الدارجة – وقد يكون هناك فنٌ حتى في هذا الجانب – ويكون فناً خالصاً حين يُقدم لنا رؤية إبداعية تعبّر عن موقف الفنان من العالم، والمحيط، والحس الإنساني.لا يمكن لمثل هذه التحديدات المُبتسرة أن تخرج بتعريفات جديدة تمثل انعطافاً في الفهم الفني أو وظيفة الفن، بل ستكون أشبه بمُماحكات لا تستند إلى آراء تمسُّ صُلب العملية الفنية وإبداعاتها الخلّاقة، فهل كانت هوية الفن قد تحدّدت يوماً بحدود مواصفات الصنعة المَهارية فقط، وكيف يمكن إثارة جدل لا يتحقّق فيه الاتفاق على الثوابت، فالطرح الفني والفهم الإبداعي لا يتقبّلان التعمية والتسويف، وإلا، فمن حق أي شخص اطلاق أحكامه جزافاً وبلا أسانيد فكرية، مثل اعتبار “الرسم” حرفة يجيدها نفرٌ قليل من الناس لهم احساس متصاعد بالشكل، أو لنقترب من الصورة أكثر ونعد فن النحت حرفة لا تختلف عن صناعة الموبيليا! أو أن فن الكرافيك لا يتطلّب سوى خبرة طباعية ومهارة كيمياوية وسطوح ومحاليل.. الفن المعاصر لا تحدُّه هذه الاجتزاءات الضيقة، فهو ينطلق بلا حدود حتى في أبسط لمسات الإنسان في حياته اليومية.. إذن لماذا نحرق انجاز التاريخ الخزفي ونبدّد تجارب فنانيه بآراء تبتغي المماطلة وتتراوح مفاهيمها بين العملية الصناعية لأوانٍ فخارية يستطيع تقديمها بإتقان أي معمل لصناعة “السيراميك أو الپورسلين”، وبين أعمال فنية أخرى تستحق الوقفة النقدية والحوار الفكري لأنها تثير فينا حٍساً إبداعياً لا يقل عمّا تثيرُه فينا لوحة رسم معاصر أو قطعة نحتية، أو قصيدة شعرية، أو مقطوعة موسيقية.#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


