روح دمشق (جامع الصابونية) في حجرٍ يتلو القرآن.باب الجابية..

جامع الصابونية:
روح دمشق في حجرٍ يتلو القرآن

باب الجابية – مقابل مقبرة الباب الصغير وتربة أويس القرني

مقدمة: زيارة لا تُنسى

قبل صلاة الجمعه ، وقفتُ أمام بابٍ حجريٍّ يروي حكايةَ سبعة قرون. كنتُ في طريقي إلى “دار القرآن الصابونية”، ذلك الصرح الذي سمعتُ عنه كثيراً، وها أنا ذا أخيراً أزوره وأُصلي فيه. دخلتُ، وإذا بالمكان ليس مجرد جامع، بل حضارةٌ كاملةٌ حُفرت في الحجر، وروحُ دمشق القديمة ترفرف بين قبوه وأروقته.

التاريخ: حكاية تاجرٍ أوقف ماله على القرآن

أنشأ هذه الدار المباركة “المقر الخواجكي” شهاب الدين أحمد القضائي بن علم الدين بن سليمان بن محمد البكري الدمشقي، الذي عُرف بالصابوني لارتباط أسرته بتجارة الصابون. كان رجلاً غنياً، لكنه اختار أن يكون أغنى بالعمل الصالح، فبنى هذا المجمع المتكامل من جامع، وسبيل، ومدرسة، ودار سكن، وتربة تضم قبره وقبر أخيه وذريتهما. بدأ البناء في ربيع الأول سنة 863 هـ (1458م)، واكتمل بعد خمس سنوات في سنة 868 هـ (1463-1464م). كان وكأنه يقول: المال يفنى، ولكن كلمات القرآن تبقى، والحجارة التي تُرفع لخدمة كتاب الله تشهد لك يوم لا ينفع مال ولا بنون.

العمارة: حوار بين الحجر والسماء

المئذنة: شعلة حجرية في قلب دمشق

من أول ما يلفت نظر الزائر، تلك المئذنة الحجرية المثمنة، التي وصفها الباحثون بأنها “واحدة من المآذن الغنية بالزخارف في مدينة دمشق”. جذعها المثمن تقطعه أشرطة تزينية ونقوش جميلة، وكأنها عقود حجرية تروي حكايات العصر المملوكي. لقد تعرضت هذه المئذنة للحريق في العهد المملوكي، واهتزت بفعل زلزال عام 1759م، لكنها بقيت شامخة، وكأن فيها إصراراً دمشقياً على عدم الاستسلام.

الواجهة والبوابة: لوحة أبلق تُحيي المارّة

الواجهة الحجرية هي بطاقة التعريف الأولى بهذا الصرح. تتناوب فيها الحجارة السوداء والبيضاء والصفراء في تناغم بصري أخّاذ. البوابة ضخمة، صُممت على شكل محراب، وتعلوها قنطرة مزخرفة بمقرنصات متقنة، يتخللها باب صغير يبدو متواضعاً أمام فخامة الإطار الذي يحتويه. أربع نوافذ تتوزع على الواجهة، ومجموعتان من الحشوات المؤطرة، كأن المهندس المملوكي أراد أن يقول: الجمال لا يحتاج إلى مساحات واسعة، بل إلى تفاصيل دقيقة تنبض بالحياة.

قاعة الصلاة: منبر ومحراب استعادا بهاءهما

دخلتُ إلى قاعة الصلاة، وكان أول ما أبهرني المنبر الخشبي القديم والمحراب الحجري الجميل. لقد تذكرتُ قول الدكتور محمد طلس، أحد أبرز مؤرخي دمشق، حين زار المدرسة عام 1942م ووصفها بأن المنبر والمحراب كانا “مشوهين بالدهان”. لكن اليوم، وبعد الترميم الشامل الذي تم عام 2021م، عادت إليهما تفاصيلهما ونقوشهما الأصلية، وكأنهما يستعيدان شبابهما بعد طول غربة.

القبة والتربة: قبر كُتب في حياة صاحبه

من أكثر الأماكن تأثيراً في هذا الجامع، غرفة الضريح ذات القبة الحسنة. فقد كُتب على جدرانها نص تأسيسي مؤثر: “أنشأ هذه التربة المباركة في حال حياته العبد الفقير إلى الله تعالى الخواجة شهاب الدين أحمد بن الصابوني”. إنها ليست مجرد مقبرة، بل شهادة إيمان من رجلٍ اختار أن يبني قبره بيديه وهو حي، ليس هوساً بالموت، بل إيماناً بأن العمل الصالح يبدأ من الإقرار بالفقر إلى الله.

السبيل: نافورة العطاء التي عادت تروي

أمام باب الدار، كان هناك سبيل للمياه أنشأه الواقف عام 867 هـ (1462م) لتوفير المياه للمارة. كُتب عليه نص جميل: “أنشأ هذا السبيل المبارك العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن الصابوني…”. هذا السبيل، وإن كان معطلاً لفترة، عاد اليوم ليروي ظمأ المارة، وكأنه يذكرنا بأن العبادة الحقيقية لا تقتصر على الصلاة فقط، بل تمتد إلى كل عمل خير يروي عطش إنسان.

الوقف: مملكة خير من بيروت إلى حوران

لم تكن المدرسة الصابونية مجرد مبنى جميل، بل كانت مشروعاً اقتصادياً متكاملاً. لقد أوقف الصابوني أملاكاً شاسعة لخدمة هذا المكان، امتدت من غربي بيروت إلى حوران. ذكرت المصادر التاريخية قرى بأكملها كانت من أوقاف هذه المدرسة، مثل “الصابونية” في لبنان، ومديرى في الغوطة، وترحيم في البقاع، وكحيل في حوران، وعشرات القرى والمحال التجارية داخل دمشق، منها محال في سوق الحميدية وخان الحرمين. إمبراطورية من الخير أقامها تاجر صابون، لتظل تُنفق على تعليم القرآن لأجيال لم يَرها.

التجديد: إحياء بعد انقراض

في عام 1941م، كانت المدرسة الصابونية على وشك الانهيار. لكن يد الترميم أمسكت بها في اللحظة الأخيرة، فجُددت وحُفظت من السقوط. ثم جاء التجديد الأحدث في عام 1443 هـ / 2021م، حيث تبرعت جمعية التواصل الحضاري على روح المرحوم الحاج أحمد غسان فؤاد الخباز، بإشراف وزارة الأوقاف في دمشق. هذا التجيد هو الذي أعاد للجامع بهاءه، وأزال عنه ملامح الإهمال التي وصفها المؤرخون لعقود.

باحثون وأعلام خلّدوا هذا الصرح

اهتم بهذه المدرسة عبر التاريخ العديد من الباحثين والمؤرخين، من القدامى مثل عبد القادر النعيمي وابن طولون، إلى المعاصرين الذين أوثقوها في كتاباتهم:

· الدكتور محمد كرد علي ذكرها في كتابه “خطط الشام”.
· الدكتور محمد طلس وصفها بعد زيارته لها عام 1942م.
· الدكتور قتيبة الشهابي أفرد لها حديثاً في كتابه “مآذن دمشق”.
· الدكتور عبد القادر الريحاوي أشار إلى دورها العلمي.
· الدكتور سهيل زكار، عميد مؤرخي الشام، تناولها في بعض كتاباته.
· الأستاذ عماد الأرمشي، حارس الذاكرة الدمشقية، وثقها في أبحاثه وصوره.
· الدكتور غسان سابو، الباحث في عمارة وذاكرة دمشق، درس معالمها.
· الدكتور عفيف البهنسي، مؤرخ الفن والآثار، ذكرها في مؤلفاته عن العمارة الدمشقية.
· الأستاذ أحمد غسان سبانو، الباحث والمحقق، أشار إليها في سياق دراساته التاريخية.

خاتمة: حجر يتلو القرآن

عندما خرجتُ من الجامع، شعرتُ أنني لم أزر مجرد معلم أثري، بل زرتُ قلعة إيمان صمدت أمام الزمن. لقد رأيتُ بعيني كيف يمكن لحجرٍ أن يتلو القرآن، وكيف يمكن لرجلٍ مات منذ سبعة قرون أن يظل حياً في ذاكرة المكان. في زمن العولمة والسرعة، تظل المدرسة الصابونية نافذة على زمن آخر، زمن كان فيه الحجر يتحدث بلغة القرآن، وكان فيه التاجر الغني يقيم مملكة خير لتعليم كتاب الله. وتبقى الدار هناك، عند باب الجابية، صامدةً كصمود مئذنتها، وكأنها تقول لكل مار: هذا هو دمشق… يبنيك أنت، لكن روحها لا تبنيها إلا كلمات الله.

الباحث والمصوروالحقوقي خلدون عبد العزيز الخن.

المراجع

  1. “دار القرآن الصابونية في دمشق.. معلم حضاري عمره 560 عاماً”، صحيفة البيان (دبي)، 31 مارس 2023.
  2. “مديرية أوقاف دمشق: دار القرآن الصابونية – سويقة – دمشق”، موقع أوقاف دمشق، 25 سبتمبر 2017.
  3. “جامع ومدرسة الصابونية”، مدونة “وُلِدتُ في دمشق” (Born in Damascus)، 26 ديسمبر 2023.
  4. “المدرسة الصابونية”، موقع نسيم الشام، 15 مارس 2011.
  5. “المدرسة الصابونية من اهم المدارس الاثرية المهمة في دمشق”، وكالة الأنباء الكويتية (كونا)، 7 ديسمبر 2008.
  6. محمد عماد الأرمشي (باحث ومؤرخ سوري، 1951-2025)، ويكيبيديا.
  7. سهيل زكار (مؤرخ ومترجم سوري، 1936-2020)، ويكيبيديا.
  8. عفيف البهنسي (مؤرخ فني وفنان تشكيلي سوري، 1928-2017)، ويكيبيديا.
  9. أحمد غسان سبانو، “دمشق التاريخ؛ صورة وإعلان”، دار قتيبة للطباعة والنشر، 1989.
  10. قائمة المراجع الواردة في “منادمة الأطلال ومسامرة الخيال” لمحمد بدران (مطلع القرن العشرين).
  11. نقلاً عن “الدارس في تاريخ المدارس” لعبد القادر النعيمي (المتوفى 927 هـ) فيما يخص أوقاف المدرسة.

أخر المقالات

منكم وإليكم