موناليزا الأعماق
في مكان لا يصل إليه الضوء، حيث الصمت أثقل من الزمن، وعلى عمق مذهل يبلغ 2200 متر تحت سطح المحيط الأطلسي، ظهرت مفاجأة لم يتوقعها أحد…
صورة.
ليست أي صورة، بل وجه شابة غامضة تحدّق من الماضي بابتسامة هادئة، أطلق عليها الباحثون اسم “موناليزا الأعماق”. صورة نجت من الغرق، ومن القرون، ومن النسيان، كأن البحر قرر أن يكون حارسها الأبدي.
اكتُشفت هذه الصورة النادرة عام 2014، وكانت محفوظة بشكل يثير الدهشة، كأن الزمن توقّف عند لحظة التقاطها. لم تتآكل، لم تتلاشى، بل بقيت ملامحها واضحة، ونظرتها حاضرة، وابتسامتها محيّرة… لتصبح واحدة من أندر الصور الفوتوغرافية في العالم.
الصورة هي داجيروتايب، إحدى أقدم تقنيات التصوير الفوتوغرافي، محفورة على النحاس المطلي بالفضة، ويعود تاريخها لأكثر من 150 عامًا. وقد لعبت ظروف الأعماق القاسية دورًا غير متوقع في إنقاذها؛ فبرودة المياه، والظلام الدامس، والفقر الشديد في الأكسجين، شكّلت بيئة مثالية لحفظها، وكأن المحيط قرر أن يصون هذا الوجه من عبث الزمن.
لكن هذه الصورة لم تكن وحدها في رحلتها الأخيرة.
فقد عُثر عليها داخل حطام السفينة الأسطورية SS Central America، المعروفة باسم “سفينة الذهب”. تلك السفينة البخارية التي غرقت عام 1857 بعد أن ضربها إعصار عنيف، أثناء نقلها كميات هائلة من ذهب اندفاع كاليفورنيا، لتتحول الرحلة إلى مأساة أودت بحياة أكثر من 400 شخص، وأسهمت في إشعال ما عُرف لاحقًا بـ ذعر 1857 الاقتصادي في الولايات المتحدة.
ورغم أن حطام السفينة اكتُشف لأول مرة عام 1988، فإن أعظم كنوزها لم يكن الذهب، بل القصص الإنسانية العالقة بين ألواحها المحطّمة… وعلى رأسها هذه الصورة.
وجه فتاة لا نعرف اسمها، ولا قصتها، ولا إلى أين كانت تمضي.
ابتسامة لا تحمل خوف الغرق، ولا ألم النهاية، بل هدوءًا غامضًا أربك كل من رآها.
من كانت؟
هل كانت مسافرة؟
عروسًا؟
أم تحمل صورة لأحبّائها؟
أسئلة بقيت بلا إجابة، لتتحول الصورة إلى نافذة مفتوحة على حياة مجهولة، وإلى لغز إنساني صامت لا يزال يثير الدهشة.
وفي مارس 2023، خرجت “موناليزا الأعماق” إلى النور مجددًا، حين عُرضت في مزاد ضمن مقتنيات الحطام، وبيعت بمبلغ 73,200 دولار، لتصبح واحدة من أغلى الصور المستخرجة من حطام بحري. لا لقيمتها المادية فقط، بل لما تحمله من ارتباط إنساني عميق بالماضي، ومن إحساس بأن هذه الصورة ليست جمادًا… بل ذكرى نجت وحدها.
سبحان الله…
كيف استطاع البحر، بكل ظلامه وعمقه، أن يحفظ لحظة إنسانية بهذا الصفاء؟
وكيف بقيت تلك الشابة الغامضة، بابتسامتها التي تشبه ابتسامة الموناليزا، حاضرة بعد أكثر من قرن ونصف إنها ليست مجرد صورة.
# مجلة إيليت فوتو أرت


