رحيم الحلي يقدم نقدا موضوعيا لفيلم جريمة أمريكية.

فيلم جريمة أمريكيةAn American Crimeتبدأ قصة الفيلم، في صيف عام 1965 بقرارٍ يبدو عادياً في ظاهره، لكنه كان الشرارة التي فتحت باب الجحيم. والدان يعملان في مدينة ملاهٍ صغيرة، ويضطران بسبب ظروفهما المادية وضغط العمل إلى إيداع ابنتي هما، سيلفيا (16 عاماً) وجيني (15 عاماً) لدى امرأة تُدعى جيرترود بانيشفسكي مقابل عشرين دولاراً أسبوعياً. تدخل الفتاتان بيتاً متواضعاً تعيش فيه جيرترود مع أطفالها، ويبدو كل شيء في البداية محتملاً: فقرٌ، ضيق، حياة قاسية… لكن بلا نذرٍ واضحة على أن هذا البيت سيتحول إلى مسرحٍ لواحدة من أبشع الجرائم الاجتماعية في تاريخ أمريكا الحديث.شيئاً فشيئاً يتغير المناخ داخل المنزل. المال يتأخر، أو لا يصل في موعده، فتبدأ جيرترود بتصريف إحباطها على الفتاة الوديعة “سيلفيا”. في البداية يكون الأمر توبيخاً وإهانات وتحقيراً، ثم يتحول إلى ضربٍ متكرر بحججٍ ملفّقة: مرةً لأنها “تكذب”، ومرةً لأنها “سرقت”، ومرةً لأنها “تجلب العار”. ثم تتسع دائرة العنف حتى تغدو “سيلفيا” سجينة داخل البيت. تُمنع من الطعام، تُحرم من النوم، تُعذب بأساليب مهينة وقاسية، ويشارك في إذلالها أبناء جيرترود، ثم أطفال الجيران الذين يُسمح لهم بالدخول وكأن التعذيب أصبح لعبة جماعية.وتتصاعد الجريمة إلى درجة لا تُحتمل، قبوٌ مظلم، قيود، حروق سجائر، تجويع، واعتداءات تتجاوز حدود الجسد إلى إذلال الروح. أما “جيني” الأخت الصغرى، فتقف عاجزة كأنها تشاهد سقوط العالم ولا تستطيع أن توقفه. وبمرور الشهور تتحول سيلفيا إلى كائنٍ منهك، كأنها تُسحق ببطء وبلا رحمة، حتى تأتي النهاية التي يشبه وصولها طعنةً في صدر المشاهد، تموت سيلفيا تحت التعذيب… داخل بيتٍ عادي في حيٍّ عادي.بهذه القصة يدخل الفيلم إلى منطقة لا يمكن أن تُشاهدها بوصفها “حكاية”، بل بوصفها إدانة. ليس لأن الجريمة وقعت فقط، بل لأنها وقعت ببطء، واستمرت زمناً كافياً لتُثبت أن الشرّ أحياناً لا يحتاج إلى لحظة انفجار، بل يحتاج إلى غرفة مغلقة، وضمير نائم، ومجتمع يتظاهر بأنه لا يسمع.عنوان الفيلم نفسه يثير سؤالاً يلاحق المشاهد: لماذا سماها المخرج “جريمة أمريكية”؟ هل ليؤكد أنها جريمة حدثت في أمريكا تحديداً؟ أم ليقول إن هناك نوعاً من الجرائم لا يصنعه السلاح ولا السياسة، بل تصنعه الهشاشة الاجتماعية التي تتضخم حتى تصبح وحشاً؟ في الحقيقة، الفيلم لا يقول ذلك صراحةً، لكنه يلمّح إليه بقسوة: الجريمة هنا ليست جريمة قتل فقط، بل جريمة “تفكيك إنسان” أمام أعين الآخرين.أشد ما يوجع في الفيلم أنه لا يقدم الجريمة بوصفها فعلاً شيطانياً مفاجئاً، بل بوصفها مرضاً ينمو في سياق اجتماعي، فقرٌ مزمن، أمٌ مضطربة ومدمنة، بيت يعاني من التفكك، أطفال بلا رادع، وجيران يفتحون أعينهم نصف فتحة ثم يغلقونها كي لا يتورطوا. إننا أمام شرٍّ يمكن تفسيره نفسياً، لكنه لا يمكن تبريره أخلاقياً. وهذا الفرق هو ما يجعل الفيلم شديد الإيلام: يدفعك لتفهم دون أن يغريك بالتسامح.ومن أخطر نقاط الفيلم أن جيرترود لم تكن وحدها. لقد حولت أبناءها إلى شركاء، ثم سمحت لأطفال الشارع بالانضمام. هنا يصبح الفيلم أكثر من مأساة ضحية: يصبح مأساة جيلٍ كامل يُعلَّم الوحشية كما تُعلَّم الألعاب. وهذا ما يفسّر تلك الرعشة التي تصيب المشاهد: كيف يمكن لطفل أن يعذب طفلة؟ كيف يمكن لصبيان الحي أن يدخلوا القبو كأنهم يدخلون ملعباً؟ وكيف يمكن لامرأةٍ تأخذ أبناءها للكنيسة أن تصنع منهم جلادين؟تمثيلياً، قدمت كاثرين كينر شخصية “جيرترود” بصورة مخيفة لا لأنها تصرخ كثيراً، بل لأنها هادئة، محسوبة، تتحول من امرأة منهكة إلى سلطة متوحشة داخل بيتها. أما إيلين بيج (التي أصبح اسمها لاحقاً إليوت بيج) فقد قدمت دور “سيلفيا” بصدقٍ موجع، دون استعراض، ودون بكائية مفتعلة، فبدت الضحية كما هي: فتاة تريد أن تعيش، لكن الحياة لا تمنحها فرصة.إخراجياً، الفيلم يتجنب الزينة البصرية. لا يبحث عن الجمال، بل يبحث عن الحقيقة. الكاميرا تميل إلى اللقطات الداخلية الضيقة، وكأنها تحبس المشاهد مع الضحية داخل البيت، لتجعله يشعر بالاختناق ذاته. والموسيقى أيضاً لا تتصدر، كأنها تخجل من أن تتحول إلى “خلفية” لشيءٍ لا يجوز التعامل معه كمتعة سينمائية.إن جريمة أمريكية ليس فيلماً يُشاهد من أجل التسلية، بل من أجل الصدمة الأخلاقية. فيلم يذكّرنا بأن أبشع الجرائم ليست تلك التي تُرتكب في الشوارع، بل تلك التي تُرتكب داخل البيوت، تحت سقف “الخصوصية”، حيث يصبح الضمير آخر من يعلم. لهذا يصدق تماماً ما قيل عنه: إنه فيلمٌ لا يُنسى بسهولة… لأنه لا يترك المشاهد كما كان قبل أن يراه.—————-لمشاهدة الفيلم اضغط على الرابط التاليhttps://ok.ru/video/1321679588080

# سينما العالم # مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم