
نظم محمود درويش قصيدته “ريتا والبندقية” العام 1967 من ديوان “آخر الليل”
رحيل “ريتا” محمود درويش: الحب المستحيل..وتَعذُّر اللقاء ساعة
محمد حجيري
نظم محمود درويش قصيدته “ريتا والبندقية” العام 1967 من ديوان “آخر الليل”
ذكرت وسائل إعلام أن تمار بن عامي، المعروفة باسم “ريتا” في قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، رحلت بعد صراع مع المرض، لتطوى برحيلها صفحة من قصة حب مستحيل كُتب عنه الكثير، وبقي يحمل الكثير من الألغاز.
نظم محمود درويش قصيدته “ريتّا والبندقية” العام 1967 من ديوان “آخر الليل”، إبان وجوده على أرض وطنه المحتلّ ضمن “أراضي 48″، وهو كان رُحِّلَ في العام 1948 عن قريته “البروة” مع أفراد عائلته إلى لبنان، ثم عادوا مع النَّازحين إلى وطنهم، وأقاموا في قرية جديدة-قضاء عكَّا، القريبة من البروة، وعُرف كشاعر شاب بين مجموعة الشعراء والكتّاب أعضاء الحزب الشيوعي الإسرائيلي ثنائي القومية.
وسط الهجرة والمنفى والشعر، قيل أنّ قصيدة “ريتا” هي عن “حبّ أول” لامرأة يهودية، وقيل إنّ أحد أسباب شيوع هذه القصيدة بالذّات أكثر من غيرها من قصائد درويش، أن الفنّان اللبناني مارسيل خليفة لحّنها وغنّاها على عوده، إلى جانب أغنيات مثل “أحنّ إلى خبز أمّي”، فانتشرت في لبنان والعالم العربي انتشاراً واسعاً جدّاً.
يقول الياس خوري أن درويش حوّل ريتا إلى قصيدة حب أسطورية في الأدب العربي المعاصر، مثل ليلى وبثينة وعبلة، يتردّد اسمها كثيراً في شعرية، ليس في القصيدة المشهورة فحسب، بل في عشرات القصائد، وتبرز ملامحها في قصائد من دون أن يسميها، حتى إن الياس خوري نشر دارسة تبيّن أنه عرف هوية ريتا اليهودية من وصف ضفائرها وحاجبيها. جمهور ونقاد درويش طاردوا شخصية “ريتا”، وتقصوا أثرها، فسألوا عن هويتها، ومن تكون؟ وهل هي حقيقة أم أنها اسم مستعار للعديد من قصص الغرام التي عاشها درويش، بحسب قوله: “إنها إنسانة. ليست محدّدة”؟ وتكرّر حضورها في قصائده عبر مسيرته الشعرية…
“قبِلتني الأم ورفضني الأب”
تصريحات درويش بشأن ريتا متضاربة متناقضة؛ فمرة أعلن أنها مجرّد اسم فنّي، ومرة أخرى اعترف أن الاسم مستعار لشخصية حقيقية. وبين هذا وذاك كان يخشى تأويل قصائده الغرامية لها، لكنها في الحقيقة كانت فتاة يهودية وانفصلت عنه في ذروة الصراع، بل ذهبت إلى التجنيد. قال درويش في حوار صحافي: “هي علاقة إشكاليّة دائماً. إشكاليّة دائماً خصوصاً مع أهل الفتاة. أهلنا بالطبع لا يدرون شيئاً عن حياتنا العاطفيّة. وليس هذا حال أهل الفتاة. مواقف الأهل كانتْ تختلف باختلاف مصادرهم وتربيتهم الأيديولوجيّة. أحببت مرّة فتاة لأب بولندي وأمّ روسيّة. قبِلتني الأمّ ورفضني الأب. لم يكن الرفض لمجرّد كوني عربيّاً. في ذلك الحين لم أشعر كثيراً بالعنصريّة والكره الغريزي. لكن حرب 1967 غيّرت الأمور. دخلتْ الحرب بين الجسدين بالمعنى المجازي، وأيقظت حساسيّة بين الطرفين لم تكن واعية من قبل. تصوّر أن صديقتك جنديّة تعتقل بنات شعبك في نابلس مثلاً أو حتى في القدس. ذلك لن يثقل فقط على القلب، لكن على الوعي أيضاً. حرب 67 خلّفت قطيعة عاطفيّة في علاقات الشبّان العرب والفتيات اليهوديّات”.
•
وقال درويش أيضاً في كتابه “يوميات الحزن العادي” بعد هزيمة 1967: “عدتُ إلى زنزانتي من جديد، وفكرتُ بها، ماذا تفعل الآن؟ كانت في مدينة نابلس، أو في مدينة أخرى. واحدة من الفاتحين تحمل بندقية خفيفة. ولعلها في تلك اللحظة كانت تأمر الرجال برفع أياديهم، أو الركوع على الأرض، أو لعلها كانت تشرف على استجواب، أو تعذيب فتاة عربية في مثل سنّها، وفي مثل جمالها السابق”.
وفي العام 1997، ألحَّت عليه الصحافية الفرنسية، لور إدلر، خلال مقابلة تلفزيونية كي تعرف حقيقة “ريتا”، فأجاب: “إذا كان يريحك أن أعترف بأنّ هذه المرأة موجودة، فهي موجودة أو كانت موجودة. تلك كانتْ قصة حقيقية محفورة عميقاً في جسدي… في الغرفة كنا متحررين من الأسماء، ومن الهويات القومية ومن الفوارق، لكن تحت الشرفة هناك حرب بين الشعبين”.
خارج القصيدة
راح جمهور الشاعر يبحث ليحدد هوية ريتا وأصلها وفصلها، فتعدّدت الروايات بشأنها. قيل إن ريتا هذه تدعى ريتا باهي، مولودة في حيفا العام 1943، وعملت أستاذة للأدب العبري في جامعة تل أبيب. ويكشف عماد الطراونة في كتابه “حكاية محمود درويش في أرض الكلام” بأن ريتا هذه اسمها الحقيقي تانيا رينهارت، مولودة في حيفا في العام 1943 وتربّت مع أمها الشيوعية في حيفا، وتتلمذت على يد نعوم تشومسكي في اللغويات، فقد ذهبت مثله بقوة إلى الكتابة السياسية، تؤيد القضية الفلسطينية، ولطالما انتقدت السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. ويؤكد الطراونة أنّ هذا الأمر “لطالما نفاه صديق هذه المرحلة، الراحل سميح القاسم، في تصريحات صحافية جاء فيها: ريتا عابرة جداً في حياته، ومعرفته بها لم تتجاوز أشهر”. يذكر أنّ تانيا رينهارت توفيت العام 2007 في نيويورك إثر تعرضها لأزمة قلبية مفاجئة، وقبيل وفاتها بقليل تعرضتْ لاعتداء على أيدي متطرفين مؤيدين لإسرائيل خلال تقديمها محاضرة في “مكتبة المقاومة” في باريس.
بعد أكثر نصف قرن من ذِكرها في أشعاره، فُتح الستار، وأعلنت ريتا عن نفسها في الفيلم الوثائقي “سجل أنا عربي” العام 2014، والذي يستعيد مسيرة محمود من البدايات، متوقفاً عند تحوّله شاعر فلسطين وأحد الشعراء العرب الأكثر شعبية وحباً في العالم العربي. محمود الذي وظف شعره ضد الاحتلال، اعتقل مرات عديدة، وغادر البلاد في 1970 إلى موسكو، وحُرم من العودة، حتى عاد للمرة الأولى في 2007 إلى حيفا مدينته المدللة وأحيا أمسية شعرية فيها. وفي العام التالي توقف قلبه.
هذه المرة، ظهرت ريتا في الفيلم، الراقصة اليهودية المولودة في حيفا لأب وأم مهاجرين من روسيا وبولندا، تامار أو تاماراي أو تماري بن عامي، وكانت تبلغ الثامنة والستين من عمرها وقت تصوير الفيلم. بدأت قصة الحبّ عاصفة مشبوبة، بعدما رآها محمود في يوم من أيام العام 1965 وهي تشارك في جوقة أو كورال الشبيبة التابعة للحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) الذي كانت أنشطته متنفساً في ذلك الوقت للعمل السياسي المعارض للصهيونية، وكان محمود درويش عضواً فيه قبل استقالته، لينشأ بينهما حبّ من “أول نظرة”. ثم كان الافتراق والتخلّي بعدما استُدعيت تماري إلى الخدمة العسكرية بسلاح البحرية الإسرائيلية بعد حرب 1967.
الفيلم الذي تعتبره مخرجته ابتسام مراعنة “وثائقياً”، يتناول محطات في مسيرة محمود درويش، عن طريق قصتي حبّ دراميتين. الأولى لامرأة يهودية، والثانية لابنة شقيق الشاعر نزار قباني الدبلوماسي السوري صباح قباني. ويحاول الفيلم إظهار التوتر المزدوج في حياته، الأول مرتبط برومانسيته وعشقه للجمال، والثاني رمزية المقاومة الفلسطينية في شعره. وإنّ وضع قصّة درويش مع ريتّا في سياقها الزمنيّ (كان هو في الثانية والعشرين من عمره، وكانت هي في السابعة عشرة) واستقراء ما آلت إليه العلاقة التي جمعت بينهما، لا يساعدنا في تأكيد التناقض مع العدو الإسرائيليّ فحسب.
ظلّ يظهر لها في المنام
وتوضح تماري في الفيلم أنها حفظتْ حبّها السرّي لمحمود درويش نحو 50 عاماً لاعتباره شأنا خاصاً مرتبطاً بحب “مستحيل” بين عربي فلسطيني ويهودية إسرائيلية. بعد ست سنوات على رحيل درويش، تجرأت تماري على فتح صندوقها الخشبي الذي أودعت فيه قطعة ثمينة وغالية من حياتها. وتعترف تماري في الفيلم أنّ هذه الجزئية من عمرها كانت صاخبة وأن قراءة الرسائل من جديد عملية موجعة وقاسية خصوصاً بعدما “أدركنا أننا عالقين. محمود ليس علاقة عابرة في حياتي، ومن بين كافة علاقاتي كان الوحيد الذي أحلم به حتى اليوم ولطالما تخيلت مولوداً مشتركاً لنا، ومحمود الشخصي والقومي ما زال يظهر لي في المنام”.
وعرض الفيلم للمرّة الأولى عدداً من خطابات الحبّ التي كتبها درويش إلى حبيبته تماري. وانقطعت العلاقات بين العاشقين لسنوات، وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي عادا والتقيا في باريس لقاءً انفعالياً، وخلاله هاتف الرئيس ياسر عرفات محمود، لكن تماري لم تفهم فحوى المحادثة. وحين تعرض درويش لهجوم اسرائيلي كاسح بسبب قصيدته “أيها المارون بين الكلمات العابرة احملوا أسماءكم وانصرفوا”، والتي كتبها كرد فعل على مشاهد القمع الإسرائيلي الوحشي للانتفاضة الفلسطينية الأولى، اتّهم على نطاق واسع بمعاداة السامية والسعي لإبادة اليهود من الوجود، وهو هجوم كشف فيلم المخرجة ابتسام مراعنة أنه أربك محمود درويش وضايقه جدًا، خصوصًا أن أصدقاءه الإسرائيليين، سواء كانوا يساريين أو ليبراليين أو غيرهم ممن يصفون أنفسهم بأنهم “أنصار السلام”، شاركوا في ذلك الهجوم الشرس الذي احتفت به الميديا الغربية ولاحق محمود درويش في محل إقامته الجديد في باريس.
كان مفاجئاً لدرويش أن تخرج تماري بن عامي عن صمتها الطويل، لتجري حوارات صحافية وتلفزيونية تكشف فيها قصة حبهما للجمهور الإسرائيلي الذي عرفها راقصة ومطربة شاركت في بعض الأغنيات الداعمة للجيش الإسرائيلي، لتؤكد في حواراتها أنّ محمود درويش الذي عرفته وأحبّته لا يمكن أن يوافق على إبادة اليهود، وأنه مؤمن بالسلام والتعايش، وهو ما جعل درويش يتصل بها ليشكرها على موقفها، ويدعوها لكي يلتقي بها في باريس، بعد أكثر من عشرين سنة من القطيعة بدأت بعد خروجه إلى منفاه الاختياري في القاهرة ثمّ إلى بيروت وأخيراً إلى باريس.
دعاها لباريس..ولم يفتح لها الباب
تعترف تامار بن عامي أنها لم تتردّد في تلبية الدعوة فوراً، لتطير إلى باريس، وحين وصلت إليها في تشرين الأول 1989، أخذت تتصل بالرقم الذي أعطاها إيها محمود لمدة أسبوع، فلم تجدْ أحدًا، بل ردّت عليها في إحدى المرات سيدة قالت لها إنه غير موجود، لكنها لم تيأس وظلت مقيمة في باريس في انتظار مكالمته. وعندما سألتها المخرجة لماذا فعلت ذلك، ولم تغضب لنفسها بسبب تجاهله، قالت بانفعال “لأنني أحببته”. والتقى بها درويش في منزله، الذي لاحظت حين وصوله أنه كان في عمارة بدا أنها تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكنها وصفت اللقاء بأنه كان لقاءً فاتراً ومربكاً، وقطعه اتصال بين محمود درويش وياسر عرفات لم تفهم ما دار فيه لأنهما تحدثاً بالعربية، لكنها شعرت أنه اتصال متوتّر، خصوصاً أنّ اللقاء انتهى سريعاً بعد ذلك على أمل لقاء ثانٍ قريب.
وتقول تامار في الفيلم إنها عادت لتقيم في فندقها بعدما اتفقا على اللقاء في اليوم التالي، لكن محمود لم يفتح الباب وحينما هاتفته من تلفون عمومي أنبأها بعدم قدرته على لقائها وتتابع: “حينما حاولت أن أفهم السبب دخل في حالة ضغط ودعاني لنسيان الرومانسية وقال لي: أنت لست حبيبتي…فبكيتُ كثيرًا”. وتستنتج بعد ذلك أنه ربما تلقى تحذيرات من قادة منظمة التحرير بألا يلتقي بها، لأن ذلك يمكن أن يستغل ضده وضد القضية الفلسطينية. لكنها، مع ذلك، قررت أن ترسل إليه رسالة أخيرة، تقول فيه إنها حزينة لأنها طلبت منه أن يلتقيها للمرة الأخيرة لساعة بعد 25 سنة من الغياب، معترفة أنها لا تدرك حتى الآن كيف تجرأت على أن تطلب منه أن يلتقيها ساعة واحدة فقط، لكن الرسالة لم تصل محمود: “كان ذلك عند الخامسة مساء وطلبت أن التقيك لساعة لمجرد رؤيتك. طلبت أن نلتقي للمرة الأخيرة.. لساعة بعد 25 سنة. إن طلبت أكثر من ساعة فمنك السماح. كيف تجرأت على الاكتفاء للقائك مدة ساعة فقط، فالسماء وقتها كانت تمطر طيلة ساعة” (15.10.89). ليكون ذلك المشهد الأخير في قصة حبهما.
حسم الفيلم هوية ريتا، ولم يكن من السهل على بعض القراء والسامعين العرب أن يهضموا حبّاً بين شاعرهم الفلسطيني “المقاوم” وفتاة يهوديّة إسرائيليّة: محمود درويش لم يكن لمحبيه شاعراً فحسب، لقد أراده بعضُهم زعيماً، ممثلاً ورمزاً ثقافياً.
• ://baocaobang.vn/nam
======***********======
– المصادر:
– موقع اكسبوجر
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– موقع البيان
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية


