الحرية والقلق عند مارتن هايدغر:- حين قال هايدغر أن الإنسان موجود في العالم، وأنه يعمل على تحقيق إمكانياته، وكان الحافز لذلك هو القلق، فلا نستغرب إذا كان هايدغر قد ربط بين القلق والحرية. والقلق الذي يتحدث عنه هايدغر لا يسوقه بمعنى الخوف والجزع، بل بمعنى الخبرة المعاشة والانهمام بالوجود، وإدراك تفـ. ـاهة الأشياء في هذا العالم. فالإنسان يدرك من خلال القلق ( لا وجود العالم ) وضرورة الارتداد إلى الذات، وإن كانت هذه الذات لا تخرج عن كونها إمكانية عـ. ــاريـ. ـة للوجود. ومعنى هذا أن القلق هو الذي ينأى بنا عن عالم الموضوعات، لكي يردنا إلى العنصر الأصلي في وجودنا، أي إلى الوجود الأصيل الذي سبق ذكره آنفاً. وحينما يستولي شعور القلق على نفوسنا، فهنالك لابد أن ندرك أنه قد قُــ. ـذِ ف بنا إلى هذا العالم على الرغم منا، وأننا مهجورون لا نجد خلفنا أية دعامة نستند إليها. – القلق الذي يعنيه هايدغر لا يوجد في مكان، وإزاء موضوع معين، بل هو موجود في كل مكان. فما يولد القلق في نفوسنا هو ( لا شيء ) أو غير موجود في مكان، ولكنه في الوقت نفسه حقيقة تشيع في أنفسنا ضـ . ربــاً من التيّقظ العميق. وليست هذه الحقيقة سوى ( العالم من حيث هو كذلك ) أو بالأحرى هو ( الوجود في العالم ). وهنا لا يكون ثمة موضع للتسلية أو اللهو أو الانغماس في بوتقة المجموع، فإن مجرد إدراكنا لوجودنا في العالم بوصفنا موجودات حرة قد أعطيت لنفسها على صورة مجموعة من الإمكانيات، سرعان ما يضعنا وجهاً لوجه بإزاء تلك المسؤولية الخطـ. يرة التي لا بد لنا من أن نفصل فيها لحسابنا الخاص. – وإذا كان القلق هو الذي يعين الموجود البشري على فهم ذاته بطريقة أصيلة، فذلك لأن القلق يردّ الكائن الحر إلى كينونته الخالصة. فالقلق تجربة وجودية تكشف للذات عن حقيقة وجودها في العالم باعتبارها ذاتاً فردية لابد لها أن تفصل في وجودها بمحض حريتها، ولابد لها من أن تحقق إمكانياتها دون الاعتماد على أي موجود آخر. وهكذا يرد هايدغر وحدة البناء الوجودي للذات البشرية إلى تجربة القلق، فيجعل من القلق ركيزة للموجود الإنساني الأصيل، ويقيم الحرية والمسؤولية على إدراك الذات لوجودها من خلال تلك الخبرة الوجودية الأساسية._________________زكريا ابراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة، مكتبة مصر للنشر : القاهرة.ريجيس جوليفيه، المذاهب الوجودية، ترجمة فؤاد كامل، دار الآداب : بيروت، 1988.منقول بتصرف. # سالم يفوت # مجلة ايليت فوتو ارت..


