رسم العالم وسكنه: نظرية المكان بين بغداد والقاهرة
عند عبد الله البياري كاتب وباحث تاريخي فلسطيني.
دراسة تاريخ المدن يميل الباحث عادةً إلى الانطلاق مما هو مرئي: شكل الشوارع، توزيع الأسواق، علاقة السلطة بالمجال، ثم يُفترض أن هذه العناصر المادية هي التي كوَّنت المدينة قيد الدراسة، ومن ثم يرحل إلى تاريخ تكون تلك البنى المادية، لينتهي إلى السلطة التي أوجدت تلك المدينة. غير أن هذا المنهج يفترض ضمنًا أن المكان موجود قبل إدراكه، وأن المعرفة تأتي لاحقًا لتصف واقعًا ماديًا مكتملًا. لكن قراءة الجغرافيا الإسلامية المبكرة تضعنا أمام ترتيب معاكس تقريبًا؛ إذ يبدو أن المدينة لم تُفهم بوصفها بنية مادية أولًا، بل بوصفها إمكانية معرفية مستمرة. فالمشكلة التي واجهت الإنسان لم تكن أين يبني، بل كيف يصبح العالم قابلًا لأن يُبنى فيه أصلًا، وذلك شكل علائقي مع الكون والعالم. ولهذا فإن النصوص الجغرافية لا تبدأ بتحديد الحدود أو القياسات، بل ببناء صورة تبادلية يمكن العيش داخلها: تذكر فيها الطرق قبل المسافات، والعلاقات قبل المواقع، والقصص قبل التضاريس. المكان لا يُعطى باعتباره إحداثيات بل باعتباره شبكة من أنماط الوجود والتأويل والتبادل والترميز.هنا يلتقي هذا المنظور مع تحليل ابن خلدون للعمران؛ إذ لا تفهم نشأة المدن بوصفها نتيجة التخطيط أو البناء، بل نتيجة اجتماع بشري يخلق شروط الاستقرار أولًا. فالناس لا يجتمعون لأن الحيز المكاني موجود، بل تظهر المدينة لأن الاجتماع أصبح ممكنًا؛ بداية من الخطاب والمعنى، وصولًا إلى ماديته، ويأتي البناء في نهاية العملية لا بدايتها. وبذلك لا يكون العمران شكلًا معماريًا، بل حالة اجتماعية تنتج المكان ذاته، بكل ما في الجذر الثلاثي “م ك ن” من تعدد في المعنى. ومن ثم يصبح الوجود -بمعناه غير المحدود- سابقًا على الإقامة في المادي؛ إذ يستطيع القارئ أن يعرف مدينة لم يزرها ويشعر بقربها أو بعدها دون أن يقيسها، وأن يقرأها ويؤولها نصًا قبل أن تتحول إلى تفاصيل. هذه القدرة على تخيّل المكان ليست أمرًا ثانويًا، بل هي ما يسمح بظهور المدينة نفسها، لأن السكنى لا تتحقق بمجرد البناء، بل حين يصبح الموضع مفهومًا، وفكرة.بهذا المعنى لا تكون الجغرافيا وصفًا للأرض بل شرطًا لإمكان العمران. فالمدينة لا تظهر حيث توجد الموارد أو السلطة فقط، بل حيث تتكوّن صورة للعالم تسمح للناس أن يروا أنفسهم داخله ومعه ومنه. ومن ثم فإن بغداد والقاهرة، لا يمكن فهمهما كبنيتين عمرانيتين نشأتا من ظروف سياسية أو اقتصادية فحسب، بل كتجسيدين ماديين لطريقة معينة في ترتيب الكون إدراكيًا؛ الحجر يأتي لاحقًا لتصور يجعل العيش ممكنًا. المرافئ والطرق البحرية والبرية، حتى يبدو البحر نفسه طريقًا واسعًا لا حاجزًا. إن ترتيب المواضع هنا يعكس كثافة الحركة لا هندسة السطح.وتبلغ هذه الرؤية أقصى وضوحها في نصوص الرحلة لدى ابن بطوطة؛ إذ يصل الرحالة إلى مدينة يعرف إيقاعها قبل أن يراها: أين السوق، أين الجامع، أين موضع النزول. المعرفة لا تأتي بعد الوصول بل تسبقه، لأن النصوص السابقة كوّنت أفق توقع يوجّه التجربة ويراكمها باعتبارها تأويلات متراكبة لنص مكاني متداول في السرد قبل المادي. ولهذا يبدو الدخول تحققًا لما عُرف لا اكتشافًا لما جُهل فقط. الرحلة لا تكشف المكان بل تؤكد قابليته للفهم والتبادل والتأويل. وبذلك تشترك هذه المدونات، رغم اختلاف أنواعها، في وظيفة واحدة: تحويل الأرض من امتداد غريب إلى مجال مألوف عبر إمكان العبور داخله. من هنا تتضح العلاقة مع الخرائط: فهي لا تضيف معرفة جديدة بقدر ما تضغط معرفة متراكمة. ما تعلمه القارئ عبر التتابع السردي يصبح في الرسم بنية واحدة تُرى دفعة واحدة. الخريطة إذن ليست قطيعة مع النص بل ذروته؛ تجريد بصري لخبرة تشكلت أولًا في القراءة والرحلة. إنها تجعل العالم حاضرًا للنظر كما كان حاضرًا للخيال، وتحوّل الانتماء المتدرج إلى صورة ثابتة دون أن تفقده طبيعته الحركية.يلاحظ المستشرق الفرنسي صاحب الموسوعة في جغرافيا العالم الإسلامي، آندريه ميكيل أن الجغرافيين المسلمين رسموا العالم كفضاء حضارة تنتظم فيه العلاقات لا كمساحة متصلة، بينما يبيّن بول هيك وآدم سيلفرشتاين أن المعرفة الجغرافية كانت بناءً لنظام معنى يحدد موقع الجماعة في الكون أكثر من كونها تسجيلًا للمعلومات. فالحكم على هذه الخرائط بمنطق الدقة الهندسية الحداثية حكم خارج نظامها المعرفي لأن موضوعها ليس سطح الأرض بل إمكانية العيش فيه. ومن هنا لا تمثل الخريطة منظورًا علويًا محايدًا بل منظورًا إنسانيًا متجسدًا. إنها لا ترى العالم من خارجه بل من داخله، تضغط الزمن في المكان: تعاقب المراحل الذي عاشه المسافر يتحول إلى تزامن بصري سردي. ليست عين سيطرة بل ذاكرة تنظيم ومعنى للتأويل.بهذا المعنى، تتشكل المعرفة عبر المرور لا النظر، ويبيّن ترافيس زاده أن الجغرافيا الإسلامية تخييل يمنح العالم قابلية للفهم قبل صورته النهائية. وهكذا تتضح العلاقة: السرد ينتج قابلية التخيل، والرحلة تنتج قابلية التحقق، والخريطة تنتج قابلية الإدراك الكلي. فهي لا تضيف معرفة جديدة بقدر ما تضغط معرفة متراكمة؛ تجريد بصري لخبرة تشكلت أولًا في القراءة والعبور، لا تمثيلًا لواقع فيزيائي مستقل. خريطة مأهولة أو طريقًا مأهولًا تقترح تصورًا للمجال لا يقوم على الامتلاك بل على المشاركة، لا على التراكم بل على العبور. وفي لحظة يُعاد فيها رسم خرائط المنطقة وفق منطق السيطرة والاقتصاد والإبادة المستدامة في غزة والقاهرة وبيروت وجدة والعوامية وغيرها، يصبح التفكير في المكان خارج هذا المنطق فعلًا سياسيًا بحد ذاته: استعادة للقدرة على تخيل الأرض بما هي علاقة تبادلية جامعة.إن العودة إلى هذه الخرائط ليست استعادةً للماضي، بل تمرينًا على رفض الحتميات المعاصرة. فحين ندرك أن الخريطة يمكن أن تنظّم الحياة بدل أن تنظّم الهيمنة، يصبح ممكنًا تخيّل جغرافيا أخرى — جغرافيا لا تُحكم من أعلى، بل تُعاش من الداخل. إنها دعوة إلى عصيان معرفي مناهض لكل أشكال الكولونيالية والرأسمالية الحديثة.. #مجلة رمان الثقافية# ايليت فوتو ارت..


