نصب (دجلة والفرات) أو (النخلة العراقية) د. منتصر صباح الحسناوي
غالبا ما نفتخر بالشواهدِ الفنية التأريخية (الآثارية / التراثية) التي تمثل معلومات ورسائل متنوعة، فضلاً عما تحمله من ذائقةٍ فنية.ولنا أيضًا أن نفتخر بأعمال الفن المعاصر الذي طرّزته أيدي رواد الحداثة، ولاسيما تلك الأعمال التي لم تنلْ العناية المستحقة لها رغم أهميتها وقيمتها الفنية.ومن تلك الأعمال نصب “دجلة والفرات”، والذي يُطلق عليه أيضاً نصب (النخلة العراقية)، للفنان الراحل إسماعيل فتاح الترك (1934-2004)، الذي يُعد من أبرز رموز الحداثة الفنية العراقية.نُفذ هذا النصب ليكون داخل قصر المؤتمرات في بغداد، الواجهة الرسمية للدولة والشاهد على أهم التحولات في العراق الحديث.فالعمل لم يُصمم لساحة عامة، ولم يُنجز ليُرى من مسافة بعيدة، بل خُطط له أن يكون داخل فضاء سيادي مغلق، في قلب مبنى يُراد له أن يجسد صورة الدولة الحديثة. وهنا تبدأ العلاقة العضوية بين النصب والمكان.أراد التُرك أن يُحقق صلةً بين التراث والبيئة العراقية من جهة والطُرز المعاصرة من جهة أخرى، لذا كان الرخام الأبيض خيار الفنان، إذ يتناسق مع أرضية وجدران القصر ومن المصدر ذاته، إحساساً منه بأنّ المكان واحة لهذا العمل. فهو لغة بصرية تتناغم مع عمارة القصر، وتؤسس حوارًا صامتًا بين الكتلة النحتية والفراغ المعماري.جذع النخلة المجردة قُسم إلى قطعتين بحركات انسيابية متوازية، إشارةً إلى نهري دجلة والفرات، بينما تشكل تموجات كرب النخيل في الأعلى حركةً توحي بمياه النهرين، في قراءةٍ تجعل من الكتلتين كأنهما يدان ممدودتان بالعطاء.في هذا التكوين يلتقي عنصران أساسيان في الهوية العراقية:الماء والنخلة.وكلاهما يتعديان البنية الطبيعية في الوجود، فهما نهران صنعا العمران، ونخلة رافقت الإنسان العراقي في غذائه واقتصاده وذاكرته.ولا غرابة أن يُقيّم إسماعيل الترك هذا العمل بأنه ثاني أهم أعماله بعد (نصب الشهيد). وبمجرد اكتمال العمل عام 1982، لم ينسجم الطابع التجريدي الفلسفي له مع الذائقة الرسمية السائدة آنذاك، فاستُبدل بتمثال (اللحمة الوطنية) لشيخ النحاتين محمد غني حكمت، استعدادًا لمؤتمر دول عدم الانحياز الذي كان مقررًا أن يُعقد عام 1983 في بغداد ونُقل نصب (دجلة والفرات) إلى مدخل قصر المؤتمرات.بعدها تم نقله إلى الممر الجانبي لمركز الفنون العامة (مبنى وزارة الثقافة الحالي).عام 2022 نقل ليتوسط ساحة الحسنين بمنظر مهيب أخذ حيزاً من التعريف به، ثم تم ارجاعه الى مبنى الفنون العامة قبيل الشروع بتجسير تلك الساحة عام 2024. هنا يمكن طرح سؤالٍ مشروع:هل يتغير معنى العمل بتغير مكانه؟فالمكان في الأعمال النحتية الداخلية ليس خلفيةً محايدة، بل جزء من الدلالة.في فضائه الأول، كان النصب يتكامل مع وظيفة القصر، إذ يربط بين العمارة الحديثة والرمز الحضاري العراقي، بين الدولة المعاصرة والجغرافية القديمة. أما بعد انتقاله، فقد انفصل عن سياقه الأصلي وبات يُقرأ كعملٍ فني قائم بذاته، بعيداً عن كونهِ جزءاً من مشروعٍ بصري متكامل.أو الاحتمالية الثالثة أن يكون المكان الذي وضع فيه غير منظور أساسًا ..ولعلَّ هذا ما يفسر عدم الالتفات إليه بالقدر الذي ناله غيره من الأعمال الكبرى.إنَّ (النخلة العراقية) لم تكن محاولةً لتجميل قاعة، وإنَّما كانت صياغةً رمزيةً لعلاقة العراق بأرضه ومياهه داخل أكثر مبانيه رسميةً. هو عمل صامت، لا يرفع شعارًا، ولا يسرد حكايةً مباشرةً، وإنما يضع أمام المتلقي بنيةً مفتوحة للتأمل.إنه نصب يتحدث عن العراق دون أن يذكر اسمه، ويتحدث عن العطاء دون أن يصور إنسانًا، ويتحدث عن الدولة من خلال الطبيعة.وربما تكمن قيمته الحقيقية في هذه المسافة الهادئة بين الرمز والمكان، بين الكتلة والعمارة، بين النهر والقصر.. #أوروك نيوز # مجلة ايليت فوتو ارت…


