د. عصام عسيري..كيف أصبح فن الباروك والروكوكو جزءاً من حلم الفن العربي؟

من فرساي للعرب ثم الخليج: كيف أصبح فن الباروك والروكوكو جزءاً من حلم الفن العربي؟د. عصام عسيري حين يزور المرء كثيراً من القصور والمجالس الفخمة والفنادق الكبرى في مدن العرب والخليج، قد يظن للوهلة الأولى أنه يتجول بين أروقة أوروبا الملكية في القرن الثامن عشر. ثريات كريستالية عملاقة، أعمدة شاهقة، تيجان مذهبة، أسقف مزخرفة، وأثاث كلاسيكي مذهّب يحمل روح القصور الفرنسية والإيطالية. مشهد يطرح سؤالاً ثقافياً مهماً: كيف أصبحت فنون الباروك والروكوكو، وهما أبناء أوروبا الأرستقراطية، جزءاً من المشهد البصري العربي المعاصر؟الإجابة لا تتعلق بالفن وحده، بل بتاريخ طويل من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها المنطقة خلال القرن العشرين.الباروك والروكوكو.. ولادة لغة الفخامةظهر الباروك في إيطاليا خلال القرن السابع عشر، باعتباره لغة بصرية للقوة والهيبة بعد انكسار العراق والأندلس. كان الكاثوليك ملوك وأمراء يبحثون عن أسلوب قادر على إبهار الناس وإظهار النفوذ، فكانت العمارة الضخمة والزخارف الكثيفة والإضاءة المسرحية والتماثيل المتحركة.ثم جاء الروكوكو في فرنسا خلال القرن الثامن عشر ليخفف من صرامة الباروك، مقدماً عالماً أكثر نعومة وزينة ورفاهية. أصبح التركيز على المتعة والأناقة والرقة، فامتلأت القصور بالمنحنيات الرشيقة والألوان الفاتحة والزخارف النباتية الذهبية.ورغم اختلافهما، فقد اشتركت المدرستان في أمر جوهري: ربط الجمال بالفخامة وربط الفخامة بالمكانة الاجتماعية.العرب قبل الاستعمار.. جمال مختلفقبل الطفرة الحالية لم تكن عمارة العربية تعرف الباروك أو الروكوكو بصورتهما الأوروبية.كانت المدن الساحلية تعتمد على مواد البيئة المحلية، فبرزت:- بيوت الطين والحجر البحري.- الرواشين والشرفات الخشبية.- البراجيل الهوائية.- الأفنية الداخلية.- الزخارف الهندسية الإسلامية.كان الجمال آنذاك مرتبطاً بالبيئة، المناخ والوظيفة والهوية المحلية أكثر من ارتباطه بالاستعراض البصري.ولم تكن الحاجة قائمة إلى إظهار القوة عبر العمارة، لأن المجتمعات كانت أصغر حجماً وأقل تعقيداً من الدول الحديثة التي ستنشأ لاحقاً.الاستعمار وتغيّر مفهوم الفخامةمع الاستعمار في البلاد العربية منذ القرن التاسع عشر، ثم تدفق الثروة النفطية منذ منتصف القرن العشرين، دخل الخليج مرحلة جديدة كلياً.ظهرت المدن الحديثة، واتسعت العواصم، وتدفقت الشركات الأجنبية والمكاتب الهندسية العالمية. وفي هذه البيئة الجديدة أصبحت العمارة أداة لإعلان النجاح الاقتصادي والمكانة الدولية.هنا وجدت عناصر الباروك والروكوكو فرصة مثالية للانتشار.فالأسلوبان يقدمان لغة جاهزة للتعبير عن: الثراء، النفوذ، الوجاهة الاجتماعية والاحتفال بالنجاح.وهي قيم ارتبطت طبيعياً بمرحلة التحول الاقتصادي الكبرى التي عاشتها المنطقة.القصر العربي الجديد:خلال العقود الأخيرة ظهرت في الدول العربية فئة واسعة من القصور والمجالس الخاصة المستلهمة من النماذج الأوروبية.لم يكن الهدف تقليد أوروبا حرفياً بقدر ما كان البحث عن صورة عالمية للفخامة، فأصبحت الثريا الكريستالية رمزاً للمكانة، كما أصبح التذهيب والأعمدة الضخمة والأسقف المزخرفة جزءاً من مفردات الرفاه المعماري.والمثير أن كثيراً من هذه العناصر لم تُستورد كما هي، بل أُعيد تفسيرها عربياً. فقد اختلطت الزخارف الأوروبية بالحروف العربية، والرخام الإيطالي بالنقوش الإسلامية، والقاعات الباروكية بالمجالس العربية التقليدية.وهكذا نشأ نمط هجين لا هو أوروبي خالص ولا عربي تقليدي، بل مزيج جديد يعكس طبيعة المجتمعات الخليجية المعاصرة.الفنادق الفاخرة وصناعة الصورة:لم يقتصر الأمر على القصور الخاصة،فالفنادق الكبرى في البلاد العربية لعبت دوراً محورياً في ترسيخ الذوق الباروكي والروكوكوي. فقد تحولت بعض الردهات وقاعات الاحتفالات إلى مسارح معمارية تستلهم روح القصور الأوروبية.والسبب واضح؛ فالسياحة الفاخرة والضيافة الراقية تحتاج إلى لغة بصرية قادرة على إبهار الضيف منذ اللحظة الأولى، وهي المهمة التي أتقنها الباروك منذ أربعة قرون.بين الهوية والتأثير العالمي:يرى بعض النقاد أن انتشار الباروك والروكوكو في البلاد العربية يعكس استمرار الهيمنة الثقافية الغربية والغزو الفكري والتقليد الصوري، وأن القصور الأوروبية أصبحت النموذج الأعلى للفخامة في المخيلة العالمية.بينما يرى آخرون أن الأمر لا يعدو كونه جزءاً من التبادل الثقافي الطبيعي في عالم معولم، حيث تنتقل الأفكار والأنماط الجمالية بين الشعوب دون أن تفقد المجتمعات قدرتها على إعادة تشكيلها وفق خصوصيتها.والواقع أن المشهد العربي يقدم دليلاً على الرأيين معاً. فالتأثير الأوروبي حاضر بوضوح، لكن إعادة تفسيره محلياً لا تقل وضوحاً.مفارقة القرن الحادي والعشرين:ربما تكمن المفارقة الكبرى في أن أوروبا نفسها تجاوزت منذ زمن طويل معظم مظاهر الباروك والروكوكو في عمارتها الجديدة، واتجهت إلى البساطة والوظيفية والحد الأدنى من الزخرفة؛ بسب الحربين العالميتين وما صاحبهما من دمار واسع للمدن وإعادة إعمار بأقل التكاليف.في المقابل ما زالت هذه اللغة البصرية تحظى بجاذبية كبيرة في أجزاء من الدول العربية الثرية، ليس بوصفها تراثاً أوروبياً، بل باعتبارها رمزاً عالمياً للفخامة والنجاح.وكأن الباروك والروكوكو وجدا في العرب حياة جديدة لم يعدا يجدانها حتى في موطنهما الأصلي.ختامًا: لم تصل زخارف الباروك والروكوكو إلى البلاد العربية عبر الجيوش والأساطيل فقط كما حدث في مراحل استعمارية أخرى، بل وصلت عبر الاقتصاد العالمي، والشركات الهندسية، ووسائل الإعلام، والسفر، ومشاريع السياحة وصناعة الرفاه الحديثة.ومع ذلك فإن تأثيرها لا يقل عمقاً. فقد أصبحت جزءاً من المشهد البصري ومن تعريف الفخامة لدى قطاعات واسعة من المجتمع.إن قصة الباروك والروكوكو عند العرب ليست قصة تقليد وإعجاب وإجلال للغرب بقدر ما هي قصة بحث دائم عن الجمال والمكانة والتميّز. لكنها تظل أيضاً دعوة للتساؤل: هل يمكن للعمارة العربية المعاصرة أن تصوغ لغة فخامة عالمية تنطلق من تراثها المحلي، كما فعلت أوروبا حين ابتكرت الباروك والروكوكو قبل قرون؟ذلك السؤال ربما يكون أحد أهم أسئلة العمارة العربية في القرن الحادي والعشرين.#د.عصام عسيري#فينيقيا التشكيلية#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم