بقلم : أحمد رشدي
لم يعد الصمت في عالمنا المعاصر مجرد غياب للكلام بل تحول إلى موقف نادر لا يجيده إلا من امتلك وعيا عميقا بطبيعة اللحظة ؛
فبين منصات تعج بالآراء المتصارعة وأصوات تتسابق على لفت الانتباه بات الهدوء فعلا مقاوما والسكوت المدروس شكلا من أشكال الحكمة التي لا تُدرك بسهولة.
في زمن الضجيج الدائم يتعرض العقل الإنساني لإرهاق غير مسبوق فسيل المعلومات لا يتوقف والآراء تتغير كل لحظة والضغط المستمر يدفع كثيرين إلى الكلام قبل الفهم وإلى اتخاذ المواقف قبل اكتمال الصورة ،
وهنا يفقد الحوار معناه ويتحول الاختلاف من إثراء للفكرة إلى صدام يستهلك الطاقة ويبدد الثقة.
إن الصمت الواعي لا يعني الانسحاب ولا يدل على الضعف بل هو مساحة ضرورية للتفكير العميق وترتيب الأفكار فكم من كلمة قيلت في لحظة انفعال ثم تحولت إلى عبء ثقيل لا يمكن التراجع عنه وكم من صمت قصير أنقذ موقفا ومنح العقل فرصة لرؤية ما كان خافيا تحت سطح الانفعال.
وتزداد قيمة الصمت حين يصبح تمهيدا لكلمة مسؤولة فالكلمة التي تخرج بعد تفكير تكون أصدق أثرا وأعمق معنى وأقرب إلى القبول فليس المطلوب أن يكون لكل إنسان رأي في كل شأن بل أن يكون رأيه حين يتحدث مبنيا على معرفة واحترام للسياق ولعقول الآخرين.
وفي مجتمعات تبحث عن الاستقرار وسط متغيرات متسارعة يصبح الهدوء ضرورة لا رفاهية ضرورة لحماية النسيج الاجتماعي من التمزق ولإعادة الاعتبار للحوار الهادئ الذي يفتح الأبواب بدلا من أن يغلقها فالصوت المرتفع قد يفرض حضوره لحظة لكنه نادرا ما يصنع حلا دائما.
إن القوة الحقيقية لا تكمن في كثرة الكلام بل في القدرة على التحكم فيه وفي اختيار اللحظة المناسبة للتعبير فالإنسان الذي يحسن الصمت حين يجب الكلام ويحسن الكلام حين يحين وقته يمتلك مفاتيح التأثير الحقيقي.
وفي النهاية يبقى الصمت أحد أشكال الحكمة المنسية في عصر السرعة فإذا تعلمنا متى نصمت ومتى نتكلم استعدنا التوازن المفقود وأعدنا للكلمة قيمتها وللحديث معناه وللإنسان هدوءه الذي يستحقه.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


