جين تيرني
لم يكنّ مجرد نجمات… كنّ نساءً صنعن من الألم فنًا، ومن الظلام ضوءًا، ومن العزيمة أسطورة.»
— عن نجمات الزمن الجميل
جين تيرني: الوجه الذي حلمت به هوليوود، والروح التي كسرتها الحياة
في التاسع عشر من نوفمبر عام 1920، في بروكلين، وُلدت طفلةٌ في عائلةٍ ثرية، أبوها وسيط تأمين ناجح، وأمها مدرّسة سابقة. أسمَوها جين إليزا تيرني، ولم يكن في الحسبان أن هذه الطفلة ستصبح واحدةً من أجمل ما عرفته شاشة السينما الأمريكية، ولا أن جمالها الأخّاذ سيكون قناعًا رقيقًا يخفي خلفه أكثر الحكايات إيلامًا. تلقت تعليمها في أرقى مدارس الساحل الشرقي، ثم في مدرسة “بريلامونت” في لوزان بسويسرا، حيث تعلّمت الفرنسية وتشرّبت حبّ أوروبا. كانت فتاةً مدلّلة، تنتمي إلى الطبقة المخملية، تدرّبت على الرقص واللغات والآداب، وكأنّ الحياة كانت تُعدّها لدورٍ ما، لم تعرف بعد أنه سيكون دور امرأةٍ تُشبه القمر: جميلة، باردة، وبعيدة.
لم تكن جين تحلم بالتمثيل في البداية. كانت تحلم بأن تكون راقصة، أو كاتبة، أو حتى ممرضة. لكن والدها، الذي رأى فيها موهبةً تستحق الاستثمار، أنشأ شركةً خاصة لرعاية مسيرتها الفنية، وقال لها ذات يوم: “ستصبحين نجمة”. كانت هذه الكلمة، التي تبدو كوعدٍ من الأب، أشبه بـلعنةٍ مبطّنة. فمنذ تلك اللحظة، لم تعد جين تيرني حرةً في اختيار طريقها.
في عام 1938، وقفت على خشبة المسرح في برودواي، في مسرحية “What a Life!”، ثم في “The Male Animal”. كانت أدوارها صغيرة، لكن حضورها كان مغناطيسيًا. كتب أحد النقاد عن أول ظهور لها، وهي تحمل دلوًا من الماء وتعبر به المسرح: “الآنسة تيرني هي، بلا شك، أجمل حاملةِ ماءٍ رأيتها في حياتي”. كانت هذه الجملة، التي قد تبدو ساخرة، نبوءةً صادقة: جمالها سيكون دائمًا ما يراه الناس أولاً، وأحيانًا، ما يرونه فقط.
لورا: الوجه الذي حلم به الجميع
في عام 1940، رآها داريل زانوك، رئيس استوديوهات 20th Century-Fox، أثناء أدائها على المسرح، فوقع معها عقدًا فوريًا. كانت بدايتها السينمائية في “The Return of Frank James” (1940) أمام هنري فوندا، ثم توالت الأفلام: تسعة أفلام في عامَي 1941 و1942 وحدهما. لكن الدور الذي سيخلّد اسمها جاء في عام 1944، حين جسّدت “لورا” في فيلم “Laura” للمخرج أوتو بريمنغر.
لم تكن “لورا” مجرد شخصية؛ كانت فكرة. فتاةٌ جميلةٌ يُفترض أنها قُتلت، ويقع المحقق في حبّ صورتها المعلّقة على الحائط قبل أن يراها حيّة. قال النقاد إن جين تيرني لم تكن تمثّل لورا بقدر ما كانت تُجسّدها، إذ كان في عينيها الخضراوين الواسعتين شيءٌ من الغموض والبراءة والبرود في آنٍ واحد، شيءٌ يجعل الرجال يخافون منها ويشتهونها في الوقت نفسه. كتب الناقد دان كالاهان: “كانت مثل دميةٍ من البورسلين الرقيق، فيها شرخٌ شعريّ، عيبٌ خفيّ، أو قطعةٌ مفقودة”. كانت بلا شك واحدةً من أجمل نساء السينما، لكنها في لحظاتٍ نادرة كانت عيناها ترتجفان بشيءٍ قريب من الاضطراب، بشيءٍ لم يعرفه الجمهور بعد، لكنه سيعرفه قريبًا.
في عام 1945، جاء “Leave Her to Heaven”، حيث أدّت دور “إلين بيرنت”، امرأةً جميلةً ومتوحّشة، تحبّ زوجها حبًا أنانيًا يدفعها إلى القتل. كان الفيلم نقطة تحوّل في مسيرتها، وترشّحت عنه لجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة، لكنها خسرت أمام جوان كروفورد عن دورها في “Mildred Pierce”. كان هذا ترشيحها الوحيد للأوسكار طوال مسيرتها، رغم أنه كان أكثر من مستحق.
الزواج والحب: من الأمير إلى الرئيس
في الحادي عشر من يوليو عام 1941، تزوّجت جين من مصمم الأزياء أوليغ كاسيني، في زواجٍ سرّي في لاس فيغاس، إذ لم يوافق والداها على الزواج من رجلٍ مطلقٍ وأصغر منها في المكانة الاجتماعية. قالت جين لاحقًا إنها استخدمت أقراط أذنها كخاتمي زواج، لأن الوقت لم يكن يسمح بشراء خواتم. كان زواجهما عاصفًا، مليئًا بالحب والخيانة والانفصال والعودة. أنجبا ابنتين، لكن الزواج انتهى بالطلاق في عام 1952، بعد أحد عشر عامًا. ظلّا صديقين حتى وفاتها، وقال كاسيني في مقابلة إنه “لم يتوقف عن حبها يومًا”
لم تكن جين تيرني امرأة رجلٍ واحد. في عام 1946، ارتبطت بعلاقة غرامية مع السيناتور جون كينيدي، قبل أن يصبح رئيسًا للولايات المتحدة. ثم ارتبطت بـالأمير علي خان، الذي كان قد تزوج سابقًا من ريتا هايورث. كانت حياتها العاطفية مادةً دسمةً لصحافة الإثارة، لكنها في الداخل كانت فتاةً تبحث عن حبٍّ لم تجده أبدًا.
الجرح الذي لم يُشفَ: داريا
في عام 1943، وهي حامل بطفلتها الأولى، حضرت جين حفلًا لجنودٍ في ملهى “ستورك”. هناك، اقتربت منها معجبة مصابة بالحصبة الألمانية، وقالت لها: “أنا معجبةٌ بكِ، لقد خرجت من الحجر الصحي لأراكِ”. لم تكن جين تعلم أن هذه الجملة، التي تبدو براءةَ إعجاب، ستحمل في طيّاتها موتًا صغيرًا. أصيبت جين بالحصبة الألمانية، وفي 15 أكتوبر 1943، وُلدت ابنتها داريا عمياءَ، صمّاءَ، ومتخلّفةً عقليًا بشدة.
كان هذا الجُرح الأول الذي لم يشفَ أبدًا. قالت جين في سيرتها الذاتية: “لم أستطع أن أنظر إليها دون أن أفكر في ذلك اليوم. لم أستطع أن أحبها كما تستحق”. وضعت داريا في مؤسسةٍ منذ الرابعة من عمرها، وكانت جين تستيقظ في الليل تبحث عنها في أرجاء المنزل، حتى بعد أن كبرت. كان هذا الحزن يهرسها من الداخل، لكنها كانت تبتسم للكاميرا، وترتدي أجمل الفساتين، وتقول لنفسها: “أنا ممثلة، يجب أن أستمر”.
الغرق في العتمة: المرض النفسي
في عام 1955، أثناء تصوير فيلم “The Left Hand of God” أمام همفري بوغارت، انهارت جين تمامًا. كانت تواجه صعوبةً في حفظ جُملها، وتتصرّف بغرابةٍ على المجموعة، حتى إن بوغارت قال لها ذات يوم: “جين، هل أنتِ بخير؟”. لم تكن بخير. دخلت مستشفى “مينينغر” في توبيكا بولاية كنساس، حيث تلقت علاجًا بالصدمات الكهربائية، وكانت تُدخل وتخرج من المصحّات طوال سبع سنوات.
كانت جين من أوائل نجوم هوليوود الذين جعلوا علاجهم النفسي معروفًا للعامة. لم تخفِ مرضها، بل كتبت عنه في سيرتها الذاتية “Self-Portrait” عام 1979، التي قالت فيها بصدقٍ نادر: “كنت في نفقٍ أسود، ولم أكن أعرف إن كنت سأخرج منه يومًا”. في عام 1958، وأثناء فترة تعافيها، عملت بائعةً في متجرٍ للفساتين في توبيكا، كجزءٍ من علاجها. كانت هذه لحظةً من التواضع القاسي لامرأةٍ كانت تُلبس أفخم الفساتين في هوليوود.
الغروب الهادئ: هيوستن والرحيل
في عام 1959، بدأت فصلًا جديدًا في حياتها. تزوّجت من رجل النفط الثري هوارد لي، وانتقلت معه إلى هيوستن، تكساس، تاركةً هوليوود خلفها. عادت للسينما بضعة مرات، آخرها في “The Pleasure Seekers” (1964)، ثم اعتزلت تمامًا. قالت في تلك الفترة: “أنا سعيدة الآن. أنا مجرد ربة منزل”. لكن الحزن كان ما زال يعيش في عينيها. عندما مات زوجها في 16 فبراير 1981، بقيت وحيدةً في هيوستن، تتلقى زياراتٍ من ابنتها كريستينا، وتتحدث إلى نفسها عن داريا.
في السادس من نوفمبر عام 1991، رحلت جين تيرني عن عالمنا في منزلها في هيوستن، بسبب انتفاخ الرئة، عن عمرٍ يناهز 70 عامًا. كانت قد كتبت في سيرتها الذاتية جملةً تختزل حياتها كلها: “لم أكن ممثلةً عظيمة، لكنني كنت وجهًا عظيمًا. والوجوه لا تتكلم، لكنها تحكي كل شيء”.
الوجه الذي لا يزال يحكي
اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيلها، ما زالت جين تيرني حاضرة. حصلت على نجمةٍ على ممشى المشاهير في هوليوود عام 1960، وعلى جائزة “DLA” عام 1986. لكن إرثها الحقيقي ليس في الجوائز، بل في ذلك الوجه الذي علّق على جدران السينما، وفي تلك العينين الخضراوين اللتين كانتا تحكيان حكاية فتاةٍ جميلة، كسرها العالم، لكنها لم تفقد رقتها أبدًا.
في “Laura”، كانت فكرةً؛ في “Leave Her to Heaven”، كانت نارًا؛ وفي حياتها، كانت إنسانةً تُصارع ألمًا لا يُرى. رحم الله جين تيرني، الوجه الذي حلمت به هوليوود، والروح التي لم تستسلم رغم كل شيء.
في انتظار الاسم التالي يا صديقي، متى شئت.


